جريدة الإتحاد - 8/4/2025 11:34:25 PM - GMT (+4 )

في عالم تتداخل فيه الحقائق العلمية مع المصالح السياسية والاقتصادية، لم تعُد المفاهيم البيئية بمنأى عن التوظيف والتضليل، وأحد أبرز هذه المفاهيم هو ما يعرف إعلامياً بـ«ثقب الأوزون»، والذي تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى مصدر رعب عالمي، وغُذيت حوله السردياتُ حتى أصبح عقيدةً راسخةً لدى الكثيرين دون أن يكلّف أحدُهم نفسَه عناءَ التحقق من أصل الظاهرة، أو حقيقتها العلمية، أو حتى من المستفيد من إثارة الخوف باسمها!
ومن الناحية العلمية فإن ما يُسمى «ثقب الأوزون» ليس ثقباً فعلياً، وهو مثال للتسمية التي لا تعكس الحقيقة، إذ لا يوجد ثقب، ولكن أُريدَ من التسمية التهويل، والإيحاء بأن العالَمَ على وشك الدمار، دون الإشارة إلى أنه انخفاض موسمي مؤقت لتركيز غاز الأوزون في طبقة الستراتوسفير، وهو يحدث غالباً فوق القطب الجنوبي خلال الربيع، وقد تم رصده لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي من خلال محطات أرصاد وأقمار اصطناعية تابعة لوكالة «نازا» الأميركية. لكن المفارقة أن هذه الظاهرة التي لطالما حدثت طبيعياً نتيجة التبدلات الجوية، صُوِّرت على أنها كارثة بيئية من صنع الإنسان، وجرى ربطها مباشرةً باستخدام مركّبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) والتي لم تزل منتشرةً في صناعات التبريد والهباء الجوي.
والحقيقة أن الأوزون غاز نشط ومتجددّ، يتكون باستمرار نتيجة تفاعل أشعة الشمس مع الأوكسجين. لذا، فإن ما يسمى ثقباً هو في الواقع حالة مؤقتة من انخفاض التركيز، وليس «خرقاً» للسماء كما يتم تصويره. بل إن هذا الوصف بحد ذاته يُعد مضللاً علمياً، لأنه يوحي بوجود فتحة مادية في الغلاف الجوي، وهو ما لا تؤيده علوم الفيزياء ولا علوم الكيمياء ولا علم الديناميكا الجوية.
لكن إذا لم يكن الأمر بالخطورة التي صُوِّرت، فلماذا تم تضخيمه؟ الإجابة تقودنا إلى الاقتصاد والسياسة، فبعد إثارة تلك الحالة من الذعر العالمي، أُبرمت اتفاقية مونتريال عام 1987، والتي قيدت استخدام الCFCs، وتبعتها موجات من التمويل البيئي تجاوزت 100 مليار دولار سنوياً تحت عنوان «التمويل المناخي». هذه الأموال ذهبت إلى منظمات غير خاضعة للرقابة، وشركات متخصصة في الطاقة البديلة، ومؤسسات دولية تبني وجودَها على استمرار حالة الطوارئ البيئية.
إن هذا التوظيف ليس اعتباطياً، إذ كلما زادت المخاوف زاد التحكم، وكلما تضخمت الأزمات البيئية وُلدت أسواقٌ جديدة وفُرضت ضرائب إضافية، وعُطلّت خطط التنمية الصناعية في دول الجنوب تحت غطاء الاستدامة. فالثقب لم يزدد حجماً ولم يشكل تهديداً إلا بعد أن بدأت الدولُ الأقل حظوةً تلمع على المسرح الدولي الاقتصادي والصناعي، وأخذت تبرز وتسابق الزمن في حجم الإنتاج ونوعيته، ليُشار إليها فجأةً كما لو أنها عدوة البيئة، وإلى أن ما كان يفعله الغرب مثَّل تدميراً تحت المعايير المقبولة علمياً.
ما يثير القلق أكثر هو إسكات العلماء المعارضين للسرد الرسمي، مثل البروفيسور «فريد سينغر»، أحد كبار علماء الغلاف الجوي، والذي رفض التهويل المتعلق بثقب الأوزون، واعتبره ظاهرةً طبيعيةً موسميةً لا تستدعي الذعر. أما العالم الفرنسي «باتريك ميشيل» فقد شبه الأمر باضطرابات الضغط الجوي المعتادة، وأكد أن ما يحدث في طبقة الستراتوسفير لا يشبه أبداً السيناريوهات التي تبثها وسائل الإعلام.
وإذا ربطنا قصة «ثقب الأوزون» بقصة أخرى موازية هي «البصمة الكربونية»، سنكتشف مدى التوظيف الأيديولوجي للعلم. فالكربون الذي يُصوَّر على أنه ملوِّث، هو في الحقيقة أساس الحياة، ويتواجد في جسم الإنسان بنسبة 18.5%، وتعيش النباتات عليه، وبصورة غير مباشرة يتكوّن الأوكسجين بفضله. ومع ذلك، أصبح اليوم عنصراً يجب تقليله وفرض الرسوم عليه، كما يجري اتهامه بأنه السبب وراء الاحتباس الحراري، رغم أن بخار الماء يمثل من 60 إلى 90% من التأثير.
والخلاصة هي أن «ثقب الأوزون» حقيقة علمية من حيث هو تغيّر موسمي، لكنه ليست الكارثة التي تم تصويرها للعالم.. والأرجح أن ما تم تصويره كان «قصة» لكسب المال ووسيلةً لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وفق رؤية مَن يديرون صناعة الخوف. لذا آن طرح التساؤل: مَن المستفيد؟ ومَن يدفع الثمن؟
في عالم يزداد فيه تسليع الخوف، لم يعد من السهل التمييز بين العلم الخالص والدعاية المؤدلجة.. من ثقب الأوزون إلى الاحتباس الحراري، نقلت البشرية من حالة الإدراك الطبيعي للبيئة إلى حالة الذعر المبرمج، لكن مع تراكم الأدلة، أصبح من الضروري مساءلة هذه السرديات المفروضة، والكشف عن الوجه الآخر الذي يُسكَت عنه عمداً.
* كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات
إقرأ المزيد