التزمُّت.. شوكة في الضمير
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

التزمُّت أياً كان مصدره، أو منبته، أو وجهته، فهو الشوكة التي تؤذي الضمير، وتحوله إلى مركبة عرجاء لا تعبأ بالطريق، إلا كونه منعرجاً لاحتمالات الوصول، ولا يصل الإنسان طالما بقي الضمير مجرد خرقة مثقوبة بإبرة الشك وعدم اليقين، بأننا كل ولا واحد في هذا العالم الذي أصبح في منحرف طريق، لا تقود لحقيقة، وإنما ترمي بشرر، والحطابون في غابة الضمير المتزمت، لا يميزون بين الأغصان الخضراء، ولا اليابسة، مما يجعلهم آفة ضارية تحيق بالعالم، وتمضي بحياة الناس إلى مهالك، ومشقات، وتودي بالسعادة البشرية في جحيم الهلاك، والضياع وعدم المعنى. 
سئل عالم النفس النمساوي فرويد ذات يوم عن معنى انعدام المعنى، فقال إنه الفراغ الوجودي الذي يذهب بالإنسان إلى غايات ومآرب سوداوية مؤلمة، ويدفع بالتي أسوأ كلما توغل الإنسان بذات لا معنى لها، ولا غاية غير اللامعنى، الأمر الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى دمار الذات والآخر، في ذات اللحظة، التي تشتد فيها حمم البغضاء، وتفتك الكراهية، ولا نجاة من نار الضمير المتزمت إلا بإحالته إلى محكمة العقل، المنتمي، وتحقيق العدالة السماوية قبل كل الأحكام. 
ولأن الحياة بنيت على ضمير، فمن الواجب أن يخضع هذا الضمير إلى معايير سماوية، وعقلية تفضي إلى القصاص من كل ذي ضمير ترك في مخازن التاريخ الصدئة، وأصبح اليوم يمضغ لبانه المر. أصبح اليوم يجتر ما أحرقه من أفكار، أصبح في الواقع خداعاً بصرياً، ونوايا مبيتة لا تصلح إلا لأن ترمى في مكبات النفايات، لأن العقل يقول لنا إن المعرفة قوة، وما دام الضمير لا يعرف، فلا بد أن تتحرى الإنسانية الدقة في معالجة قضايا ذات الشأن، وفي قضايا تمس الوجود الإنساني الذي انتهكه المتزمتون. 
هذه المواويل، وهذه المناديل المبلولة بدموع التماسيح لهي البلوى، والمأساة الكبرى التي تعاني منها الإنسانية منذ الأزل، ومنذ أن أصبح الانحياز طريقة محسنة من طرائق المتزمتين، وهم اليوم يعيثون فساداً في المصير العالمي، ويمسكون بتلابيب الوهم، ليخرجوا منه مسرحيات هزلية، ومسلسلات مضحكة. ولكن كيف والعالم ما زال في مرحلة التفكير الأولى، والبناء لم يشيد، والأحزمة لم تربط ضد الانجراف وراء التزمت، وكل يقول أنا الحقيقة!.
العالم مطالب اليوم بهبة إغاثية للضمير، وانتزاع منه ما بلي، وتعفن، والعودة لأنهار الحقيقة الصافية، ولو فكرنا بهذا جيداً لانتهت الحروب، وانتصرت الحقيقة، وجلس العقل الصافي الذي تحدث عنه كانط، على كرسي العدالة الكونية، وعاش الناس أجمعين في ثبات، ونبات، وأصبحت الشعوب في حل من هذا الغثيان، وهذا الامتحان اللوغاريتمي العصيب، وأصبح العالم في سعادة، ونهار أبيض، ناصع الوجه، حصيف العقل فصيح اللسان، وأصبحنا جميعاً ننعم باجتماع بشري عالمي، إنساني من دون سوء.



إقرأ المزيد