بانتوميم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

على ناصية رصيف في ساحة الأوبرا في باريس، قبالة مقهى «كافيه دو لا بيه»، كان يقف شاب تبدو الأربعون قد هجمت عليه بسرعة لم يتوقعها، يرتدي ملابس مسرحية سوداء مهلهلة، وقبعة سوداء أشبه ما تكون بقبعة «أبراهام لينكولن»، أصبح ذاك الممثل الصامت جزءاً من المكان، وأحد معالمه، كان يحضر صامتاً، ويذهب صامتاً، كان يبهر الناس بأدائه التمثيلي الصامت.. والمتقن دون أن يقول كلمة، كان كلما ينهي عرضه اليومي، يجازى بالتصفيق الحار، وبفرنكات معدنية تستقر في قبعته السوداء «Stovepipe hat»، كانت تكفي لعذابات مسائه، وبكائه، ووحدته.
كان يمضي صامتاً نحو وجهته المعتادة بعد عرضه الذي يستمر ساعات متقطعة لجماهير محتشدة، عابرة، ومتغيرة، فإن كانت الحصيلة فيها أوراقاً نقدية اتجه إلى حانته الصغيرة ذات الخشب القديم، والتي تآلف مع صاحبها، وأصبحا شبه صديقين بحكم الساعات المتأخرة، وإن بخل النظارة والمتفرجون عليه، في ذاك المساء، بقي يعد العملات المعدنية التي بعضها بائر، جلبها السياح معهم من مدنهم، رازها في يده، وقارب ذاك الحانوت الذي يشبه باب الجحيم، واشترى زجاجة نبيذ أحمر رخيص، وقطعة خبز «باغيت»، وغاب في ظلمة شقته، ليبقى فيها صامتاً يضاحك أطياف أناس كان يحبهم ويعرفهم، ثم يبكيهم مع آخر كأس متبق من تلك الزجاجة الخضراء الفارغة.
أكثر من عشرين سنة لا يتذكرها، وهو صامت، يمثل أدواره أمام جمهرة الشارع صمتاً، يتعامل مع تفاصيل يومه صمتاً، يضاحك نهاره صمتاً، ويبكي ليله صمتاً.
اعتدت أن أراه لسنوات متباعدة بتلك الهيئة التي لا تتغير، فقط الشيب تزداد كثافته في شعره الطويل، ولحيته الطليقة، ونظرة العينين الغائرتين في لون الرماد.
بالأمس وهو عائد من ساحة دار الأوبرا، بعد تمثيله الصامت «البانتوميم»، وكان المطر قد باغت شوارع باريس في مسائها الخريفي، سمعت أنه توقف عند عازف ساكسفون عجوز، كان ينادي حبيبته الغائبة في الزرقة، وبرودة التابوت بخيوط حريرية من الأنغام، وكان وقتها حزيناً بثقل العمر ووخمة السُكر، مكث عنده طويلاً واقفاً، كان الساكسفون البكّاء، وعزف العجوز الذي يقطر ألماً، سلباه الحركة، وبدأ في التأتأة من جديد، كان مثل من بكى صمتاً، وغادر باتجاه ظلمة الشارع الحجري الذي يلتمع من مشاغبة نفّات المطر، فجأة توقف، وكان يريد أن يصرخ، حينها هرب ظله منه، وتركه وحيداً.
لا ندري لِمَ ساعتها قرر أن يصرخ في وجه الحياة؟ هل هو ثقل الألم حين يصل مداه؟ أم هو الحب وحرقة الشوق حين يصل منتهاه؟ كان ذاك الممثل الصامت يريد أن ينطق لحظتها، لكنه تذكر أنه نسي كل حروف اللغة التي كان يدرسها بإخلاص في ثانوية «لوي ماسينيون»، حين خطفت سيارة مسرعة ذات نهار زوجته وابنته الذاهبة بفرح لمدرستها، ولم يعد يسمع إلا صهيل عجلات سيارة مرت على تلك الأجساد اللينة.. حاول أن يصرخ حينها، وحين صرخ فقد النطق!



إقرأ المزيد