الصيام ومفهوم الاستدامة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

الاستدامة في جوهرها هي تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، وهو ما يتقاطع بعمق مع فلسفة الصيام، التي تقوم على ضبط النفس وترشيد الاستهلاك، وتقدير الموارد المتاحة ويعدُ الصيام ممارسة استراتيجية لتعزيز الاستدامة الذاتية والبيئية من خلال تهذيب النفس تقليل الاستهلاك وتجنب الإسراف، مما يحقق توازناً صحياً ونفسياً وبيئياً.
 ويربط الصيام بين القيم الأخلاقية والمسؤولية تجاه الأرض مُعززاً تقليل النفايات الغذائية، وتبني أنماط حياة واعية ويؤثر الصيام بشكل مباشر وعميق على فهم وتطبيق معايير الاستدامة، من خلال تحويل المفاهيم النظرية إلى ممارسات سلوكية يومية يتجاوز الصيام كونه شعيرة دينية، ليصبح أداة تربوية لتعزيز الاستهلاك المسؤول والوعي البيئي والاجتماعي. 
ومن خلال الصوم، نستطيع تعلم وإدراك وتطبيق أمور كثيرة تفيدنا خلال الشهر الكريم، ومنها على سبيل المثال الاستدامة الغذائية، حيث يُعلّم الصيام الاعتدال وتجنّب هدر الطعام، وهو ركن أساسي في حماية موارد الكوكب، وكذلك الاستدامة الصحية من خلال أننا نعلم أن الصيام خاصة المتقطّع صحة عظيمة للجسم عبر إزالة السموم من الخلايا وتحسين التمثيل الغذائي.
 وهناك الاستدامة النفسية والاجتماعية، حيث يغرس الصيام الصبر، وضبط النفس، والشعور بالغير مما يعزّز الاستدامة الاجتماعية وكذلك الاستدامة البيئية.
 الصيام دعوة للحد من الاستهلاك المفرط مما يقلل من انبعاثات الكربون والنفايات من خلال اختيار أغذية صحية ومحلية لتقليل الأثر البيئي وتقليل استخدام العبوات البلاستيكية عند الإفطار. الاستهلاك والإنتاج وهو الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، لأن الصيام ينمي قدرة الفرد على ضبط النفس الغذائي، وهو معيار أساسي لتقليل هدر الطعام، الذي يُعد من أكبر التحديات البيئية، وأيضاً من خلال تقليل استهلاك اللحوم والأطعمة المصنّعة أثناء فترة الصيام، يسهم الأفراد بشكل غير مباشر في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج الغذاء الصحة والرفاه، وهو الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة، حيث يعزز الصيام قدرة الدماغ على تحمل الإجهاد والتأقلم مع التغيير، وهي مهارات ضرورية لمواجهة تحديات الاستدامة العالمية المستقبلية، والصيام نهج مستدام لتحسين المؤشرات الصحية مثل ضبط سكر الدم، صحة القلب، وتجديد الخلايا للشخص الصائم. 
للصيام فوائد أخرى كثيرة تعزّز من صحة الأفراد والمجتمعات، كترسيخ العدالة الاجتماعية والتكافل، وهي الأهداف الأول والثاني والعاشر من أهداف التنمية المستدامة، لأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو وسيلة لتجربة معاناة المحتاجين، مما يعزّز تطبيق معايير التكافل الاجتماعي والمساواة، كما توفّر الممارسات الجماعية المرتبطة بالصيام مثل الإفطار الجماعي والصدقات بيئة مثالية لتحقيق الوحدة الاجتماعية والعمل المشترك من أجل عالم أفضل، كذلك يربط الصيام بين القيم الروحية ومبادئ الحفاظ على الموارد الطبيعية كالماء والطاقة، معتبراً الإسراف فيها تناقضاً مع جوهر العبادة وقدسية الشهر الفضيل ومكانته عند كافة المسلمين حول العالم. 
 يرسّخ الصيام مفهوم خلافة الإنسان في الأرض لإعمارها وإصلاحها، مما يحوّل الوعي البيئي من مجرد شعار إلى التزام أخلاقي مستدام، ولذلك علينا التدبر في القرآن وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لإدراك مدى تركيز الإسلام على الاستدامة من خلال كفاءة استهلاكنا للموارد، فبدلاً من إساءة استخدامها، لنشجع بعضنا بعضاً على تبني سلوكيات مستدامة، بدءاً من شهر رمضان المبارك هذا العام.
وينبغي على أفراد المجتمع الاعتماد على بعض العادات في حياتهم اليومية التي ستحسن نمط حياتهم، وتعمل على تقليل الهدر ومنها طلب كميات أقل من الطعام تناسب احتياجات الشخص وإعادة استخدام بقايا الطعام، لأن شهر رمضان فرصة للتحول إلى نمط الحياة الخضراء والتنمية المحلية، التي تعمل على المحافظة على الموارد كوسيلة للحياة، ونحن بحاجة إلى إعادة تصحيح بعض ممارساتنا الحياتية وإعادة تعلم كيفية تطبيقها بصورة صحيحة وليس هناك وقت أفضل لبدء ذلك من شهر رمضان الفضيل. 
يمكن أن تكون الممارسات والمعتقدات الدينية الإسلامية مصدر إلهام للعمل البيئي، والتي تضم قيم خلافة الإنسان لله على الأرض ليعمرها ويصلحها، وسعى المسلم الدؤوب نحو التوازن والحكمة كونها من مبادئ علاقتنا كمسلمين بالبيئة. 
 وشهر رمضان مساحة لتعزيز طرق الحياة المستدامة عبر الحد من هدر الطعام والحفاظ على المياه واستخدام منتجات صديقة للبيئة، ويمكن أن يكون شهر رمضان رسالة قوية لزيادة الوعي حول تأثير أفعالنا على البيئة وإلهام الآخرين لإحداث فرق وتراثنا الإسلامي يحضنا على الالتزام بالقيم البيئية في حياتنا اليومية، لأن هذا ببساطة يحقق لنا ضمان استدامة الموارد الطبيعيّة للأجيال المقبلة، والحفاظ على التوازن بين البشر والطبيعة.  مع تفاقم التحدّيات البيئية التي تواجهنا، مثل ارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء والمياه، أصبحت هذه المسألة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لكن، هل فكّرنا يوماً في كيفية تأثير كل هذه القضايا البيئية في حياتنا وصحتنا وسعادتنا.
كيف يمكن أن تؤدي الخيارات المستدامة إلى تحسين حياتنا وليس الحفاظ على البيئة فحسب، لأن تأثير الاستدامة في حياة الإنسان ليس مجرد تحسين للبيئة من حولنا، بل هو إعادة تعريف لكيفية عيشنا وتحقيق رفاهيتنا. إنها فرصة لتحسين جودة الحياة من خلال تبنّي أنماط حياة أكثر صحة واتزاناً وكذلك في كيفية تحول الطاقة المتجددة إلى أساس لاقتصاد قوي ومستدام يوفّر فرص عمل جديدة ويعزز من استقرار المجتمعات. 

*خبير في الطاقة المتجددة



إقرأ المزيد