تعزيز الخدمات الذكية في المجال الطبي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تنطلق تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تحسين الخدمات الذكية في المجال الطبي من قناعة راسخة بأهمية الحفاظ على صحة الإنسان كأساس للتنمية الشاملة. ولا يُنظر إلى التحول الرقمي في القطاع الصحي باعتباره تحديثاً تقنياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً يعكس استراتيجية مستدامة تضع الإنسان في مركز السياسات الوطنية، وتسعى الإمارات بشكل متواصل لتأسيس منظومة صحية ذكية متكاملة، تربط بين جودة الحياة، والأمن الصحي، والاقتصاد المعرفي. 
ويتجلى هذا التوجه في تبني الدولة فكرة الرعاية الصحية الاستباقية، التي تعتمد على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، ودراسة الأنماط الصحية للسكان، وتوجيه السياسات بناءً على بيانات دقيقة، ضمن رؤية شاملة لتحسين جودة الحياة. وهكذا يصبح التحول الرقمي وسيلة لتمكين الإنسان وتعزيز رفاهيته، وليس هدفاً تقنياً بحد ذاته.
ويمثل تبني وزارة الصحة ووقاية المجتمع إعداد «سياسة وطنية لتعزيز الخدمات الذكية والذكاء الاصطناعي في المجال الصحي» نقطةَ تحولٍ نحو رقمنة مركزية للقطاعات الصحية. وتسعى الإمارات من خلال هذه السياسة إلى الانتقال من مرحلة التطبيقات المنفصلة إلى بناء إطار وطني شامل يضبط الحوكمة ويوحد الجهود. وتقوم الحوكمة هنا على عدة مرتكزات أبرزها: جودة البيانات، وتكامل الأنظمة، وتبادل المعلومات بصورة آمنة، وقياس الأداء عبر مؤشرات وطنية، واعتماد آليات دورية للتقييم والتحسين. كما يشمل الإطار المؤسسي وضع ضوابط أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن الشفافية والمساءلة، ويمنع إساءة استخدام البيانات الصحية، ويرسّخ ثقة المجتمع في المنظومة الذكية.
وكانت وزارة الصحة ووقاية المجتمع قد أنشأت مكتباً للذكاء الاصطناعي يُعنى بتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحسين تجربة المرضى، وزيادة الكفاءة التشغيلية، بما في ذلك التحليلات التنبؤية ودعم اتخاذ القرار، وأطلقت منصة ذكية للسياسات والتشريعات الصحية التي تجمع بيانات وآراء المجتمع، تقيس مؤشرات السياسات، وتُسهّل التحليل لاستخدامها في تطوير الأطر التنظيمية.
وفي الواقع، فإن النموذج الإماراتي للصحة الذكية يرتكز على توظيف تقنيات متقدمة في مختلف مراحل تقديم الخدمة الصحية، ويشكّل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة عاملين مهمين في تطوير التشخيص المبكر للأمراض، وإدارة الموارد الصحية بكفاءة أعلى. كما تسهم تقنيات إنترنت الأشياء الطبية في متابعة المرضى عن بُعد عبر أجهزة استشعار متصلة ترسل بيانات فورية إلى الأطباء، الأمر الذي يحد من المضاعفات ويقلل الحاجة إلى الإدخال المتكرر للمستشفيات.
ولا يقتصر التطوير التقني على التطبيقات، بل يشمل تعزيز البنية التحتية الرقمية، لاستيعاب التقنيات المستقبلية، وذلك من خلال شبكات اتصال آمنة، ومنصات قادرة على معالجة البيانات الضخمة بسرعة ودقة، ويتكامل هذا الجهد مع رفع معايير الأمن السيبراني لحماية البيانات الصحية وصون خصوصية الأفراد، وهو الأمر الذي نظّمه قانون اتحادي في شأن استخدام تقنية المعلومات والاتصالات في المجالات الصحية.
ورغم مركزية التكنولوجيا في هذا النموذج، فإن العنصر البشري يظل حجر الزاوية في نجاحه، فالتقنيات الذكية لا تحقق أثرها ما لم تُدار بكفاءات قادرة على فهمها وتطويرها. ومن هنا، تولي الإمارات اهتماماً خاصاً لتأهيل الكوادر الصحية في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وإدارة الأنظمة الرقمية. ويشمل هذا التمكين برامج تدريب مستمرة، وتعزيز ثقافة الابتكار داخل المؤسسات الصحية. كما يتم التركيز على إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة التحول الرقمي، بما يعزّز الاستقلالية المعرفية ويضمن استدامة التطوير.
وتتمثل الغاية النهائية من هذا النموذج المتكامل في تحقيق الانتقال من نموذج صحي يعتمد على الاستجابة للعلاج بعد حدوث المرض، إلى نموذج يقوم على الوقاية والاستباقية. فباستخدام التحليل التنبئي والبيانات الصحية المتكاملة، يمكن رصد مؤشرات الخطر مبكراً، ومتابعة الأمراض المزمنة عبر تطبيقات وأجهزة متصلة، مما يسهم في تقليل المضاعفات وخفض التكاليف طويلة المدى.
وهكذا يتبلور لدينا نموذج راسخ للصحة الذكية لا يكتفي بتبني التكنولوجيا، بل يوظفها ضمن مشروع تنموي شامل يهدف إلى بناء منظومة صحية مستدامة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف فرص المستقبل، وبذلك يتكامل البعد المؤسسي مع الرؤية الاستراتيجية، ليحوّل الطموح الرقمي إلى مسار منظم ومحكوم بمعايير واضحة تضمن الاستدامة والاستمرارية.



إقرأ المزيد