الأثر المناخي للتغير في تيار المحيط
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عند الثانية صباحاً، وبعد مرور 12 ساعة من العمل المتواصل، واجه عالِمُ المحيطات «رايان سميث» مشكلة خطيرة: أجهزة الاستشعار التي أنزلها مئات الأمتار في الأطلسي لقياس حرارة المياه وملوحتها وكثافتها توقفت فجأة عن إرسال البيانات.
في عرض البحر لا توجد جهة يمكن الاستعانة بها لإصلاح الأعطال، لذلك أمر بسحب قفص يحتوي على 14 أنبوباً رمادياً طويلاً، يزن مجموعها نحو ألف رطل، والذي أنزله إلى مئات الأمتار في عمق المحيط الأطلسي، لتسجيل درجة حرارة المياه وملوحتها وكثافتها. ولو لم يتمكن الفريق من إصلاحه، لاضطروا إلى رحلة عودة شاقة تستغرق 12 ساعة عبر تيار فلوريدا السريع - التيار ذاته الذي كانوا يحاولون دراسته.
على مدى 43 عاماً، يدرس العلماء قوة تدفق المياه بين فلوريدا وجزر البهاما لفهم العوامل التي تُسبب تغيراته مع مرور الوقت. قد تُساعد هذه المعلومات العلماء على الإجابة عن سؤال مُلحّ: هل يتباطأ تيار فلوريدا، أحد أسرع التيارات المحيطية في العالم؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد يُشير ذلك إلى ضعف نظام الدوران الأوسع في المحيط الأطلسي - ما يُطلق عليه العلماء اسم الدوران الانقلابي المداري الأطلسي AMOC وهو ما قد يكون كارثياً.
بينما يُشكك العلماء في السيناريو الذي رُسم في فيلم «اليوم التالي» عام 2004، والذي يُصوّر انهيار الدوران الانقلابي المداري الأطلسي على أنه عصر جليدي كارثي في ​​نصف الكرة الشمالي، يقول الباحثون إن أنماط هطول الأمطار قد تتغير أو تتوقف في جنوب شرق آسيا وأجزاء من أفريقيا، وقد تنتشر الأمراض إلى سكان جدد، ومن المُحتمل أن تنخفض درجات الحرارة في جميع أنحاء أوروبا الغربية.
لكن علماء المناخ يختلفون حول مدى سرعة، أو حتى إمكانية، ضعف نظام الدوران المحيطي. يتفق الباحثون عموماً على أن الدوران المحيطي الأطلسي قد يضعف خلال هذا القرن مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، لكنهم يختلفون حول ما إذا كان النظام قد بدأ بالفعل في التباطؤ.
قد تساعد الملاحظات المباشرة لتدفق وسرعة ودرجة حرارة وملوحة كل من الدوران المحيطي الأطلسي وتيار فلوريدا في توضيح هذا الأمر. يُعد تيار فلوريدا، الذي ينقل المياه شمالاً، عنصراً أساسياً في حساب قوة النظام.
بين ميامي وجزر البهاما، ركز فريق من جامعة ميامي والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA على تيار فلوريدا، أطول تيار محيطي في العالم تتم مراقبته بشكل شبه متواصل. على مدار 36 ساعة متواصلة من العمل المتواصل، اجتاز أفراد الطاقم المحيط، وغاصوا تحت الماء، وجمعوا كميات هائلة من القياسات. تجمع هذه الرحلات الاستكشافية بيانات يمكن لأجيال من العلماء استخدامها لفهم حالة محيطاتنا بشكل أفضل، ومستقبل البشرية.
على مدى أكثر من أربعة عقود، دأب العلماء على قياس تدفق المياه عبر تيار فلوريدا بشكل شبه متواصل، معتمدين بشكل كبير على كابل اتصالات تابع لشركة AT&T تم إيقاف تشغيله. ولم يكن خط الهاتف مخصصاً لأبحاث المحيطات، لكن لاحظ علماء NOAA أنه يلتقط فولتيات ضئيلة ناتجة عن مياه البحر المتدفقة عبر مضيق فلوريدا، والتي تتغير تبعاً لتدفق التيار. وباستخدام قياسات مباشرة للممر المائي من رحلات بحثية، يستطيع العلماء تحويل الفولتيات إلى حجم المياه المنقولة كل ثانية عبر المضيق.
في عام 2005، نشر عالم المحيطات البريطاني «هاري برايدن» دراسة مهمة استندت إلى بيانات الكابل وقياسات السفن المحدودة آنذاك، وأشارت إلى احتمال تباطؤ الدوران الانقلابي المداري الأطلسي  AMOC بين 1957 و2004. واليوم، تُظهر البيانات عبر حوض الأطلسي أن النظام يتقلب يومياً وموسمياً، لكنه يبدو أيضاً أنه شهد ضعفاً طفيفاً خلال العقدين الماضيين.
لكن هل هو في تراجع طويل الأمد بسبب الاحترار الناجم عن النشاط البشري؟ الأمر محل نقاش. يُعد تيار فلوريدا أحد القوى الرئيسة التي تشكل الحد الغربي لنظام AMOC. فمياهه الدافئة تغذي «تيار الخليج» القوي، الذي يندمج مع تيار شمال الأطلسي المتجه نحو أوروبا. وعندما يصل التيار إلى القطب الشمالي، تبرد المياه بفعل الهواء البارد وتزداد كثافتها، فتغوص وتتحرك جنوباً نحو خط الاستواء، حيث تسخن مجدداً وتعود شمالاً.
لكن العلماء يرون أن الاحترار العالمي يخلّ بهذا التوازن. فذوبان الجليد في القطب الشمالي يضيف مياهاً عذبة إلى شمال الأطلسي، ما يقلل كثافة المياه ويجعلها أقل ميلاً للغوص. ونتيجة لذلك، قد تضعف قدرة «الحزام الناقل» المحيطي، فتُنقل كميات أقل من المياه المالحة الدافئة شمالاً.
وقد يؤدي تحول كبير في دوران الأطلسي إلى جفاف شديد في بعض المناطق وفيضانات مدمرة في أخرى. كما قد يرتفع مستوى سطح البحر على الساحل الشرقي للولايات المتحدة بمقدار قدم أو أكثر إذا انهار النظام.
اعتمد العلماء غالباً على بيانات غير مباشرة - مثل درجات حرارة سطح البحر أو الهواء - لإعادة بناء حركة المحيطات في النماذج، لكن النتائج كانت متباينة. تباينت نتائج الدراسات حول ضعف نظام AMOC: فدراسة عام 2018 أشارت إلى تراجعه اعتماداً على حرارة سطح البحر، بينما لم تجد دراسة حديثة دليلاً على ضعف خلال الستين عاماً الماضية.
وفي 2024، أظهر تحليل مُحدَّث لبيانات كابل فلوريدا أن التيار ظل مستقراً نسبياً، وأن ضعف AMOC أقل مما كان يُعتقد. لكن الباحثين يؤكدون أن فترة الرصد قصيرة، وأن الأمر يحتاج إلى نحو 20 عاماً إضافية لحسم ما إذا كان هناك تراجع حقيقي أم مجرد تقلب طبيعي.

*كاتبة متخصصة في قضايا المناخ والبيئة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آندسينيكيش»



إقرأ المزيد