تطوير التعليم العالي أولوية دائمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يمثّل قانون التعليم العالي والبحث العلمي الاتحادي الجديد، الذي بدأ العمل به في الأول من يناير 2026، محطةً مهمة في مسار التطوير التشريعي والتنظيمي المتدرّج، الذي انتهجته دولة الإمارات العربية المتحدة في إدارة منظومة التعليم العالي. وقد جاء هذا القانون ضمن مراجعات دورية تستهدف رفع كفاءة المنظومة التعليمية وتعزيز تنافسيتها وضمان استجابتها للتحولات الاقتصادية والمعرفية المتسارعة إقليمياً ودولياً.
وفي الواقع، فإن تحديث الأطر التنظيمية يعكس مقاربة تشريعية أكثر شمولاً تقوم على الانتقال التدريجي من التركيز على الإجراءات والمدخلات إلى نموذج يرتكز على جودة المخرجات، والحوكمة الرشيدة، والشفافية، وربط التعليم العالي بمتطلبات سوق العمل والتنمية المستدامة، بما ينسجم مع السياسات الوطنية بعيدة المدى.
ويندرج هذا التحديث في سياق رؤية وطنية متكاملة ترى في التعليم العالي والبحث العلمي ركيزةً أساسية لبناء الإنسان وتعزيز تنافسية الدولة في اقتصاد المعرفة، وضمن دعم متواصل توليه القيادة الرشيدة لتعزيز رأس المال البشري. وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في أكثر من مناسبة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن التعليم يشكّل الأساس المتين لمستقبل الوطن وقدرته على مواكبة التحولات العالمية، وهي رؤية تنعكس بوضوح في مضامين القانون الجديد ومقاصده.
على المستوى العملي والتطبيقي، يركّز القانون على تعزيز مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية عبر تطوير منظومة التقييم والاعتماد، بحيث تنتقل إلى مرحلة تقييم قائم على أثر التعليم وجودة المخرجات وقابليتها للقياس. كما يرسّخ معايير وطنية واضحة للجودة، ويحفّز مؤسسات التعليم العالي على تصميم برامج أكاديمية مرنة ومبتكرة تستجيب للتحولات التقنية والعلمية.
على الصعيد الاستراتيجي، يحقق القانون 6 أهداف رئيسية، منها دعم التعلم مدى الحياة للخريجين عبر مسارات تعليمية متنوعة تشمل التعليم الأكاديمي والتعليم المستمر وإعادة التأهيل المهني. كما يسهم في تحسين جودة التعليم عن بُعد وتنظيم أنماط التعليم الرقمي والمدمج، بما يتيح التوسع المنضبط عبر الحدود ويرفع تنافسية مؤسسات التعليم العالي الوطنية إقليمياً ودولياً. ويوفّر كذلك مسارات انتقالية أكثر مرونة للطلبة بين التخصّصات والمؤسسات، بما يقلّل الهدر التعليمي ويرفع كفاءة الاستثمار في رأس المال البشري.
ويرسّخ القانون الجديد نهج الشراكة المؤسسية بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومؤسسات التعليم العالي والجهات المحلية والقطاعات الاقتصادية، بما يعزّز تكامل الأدوار وتبادل البيانات وتوحيد الجهود التنظيمية والتنفيذية، ويربط السياسات التعليمية بالأولويات الاقتصادية الوطنية ويدعم البحث العلمي والابتكار.
ومن المرتكزات المحورية في هذا التطوير التشريعي ترسيخ حوكمة البيانات وتعزيز الشفافية، من خلال تطوير قواعد بيانات وطنية موحدة، ومؤشرات أداء واضحة، ولوحات قياس آنية تدعم التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار المبني على بيانات دقيقة. ويسهم هذا النهج في رفع مستوى الثقة لدى الطلبة وأولياء الأمور والمستثمرين، وتوجيه قراراتهم استناداً إلى معلومات معلنة بشأن جودة المؤسسات التعليمية والبرامج الأكاديمية وأدائها.
وفي إطار تكامل الإجراءات التنظيمية، يعالج القانون تحديات قائمة، خصوصاً في المناطق الحرة، عبر إرساء مرجعية اتحادية واحدة للتراخيص والاعتماد والرقابة، بما يرفع كفاءة سرعة اتخاذ القرار ويضمن انتقالاً منظماً إلى النظام الجديد. وفي هذا السياق، شدّد القانون على حماية الطلبة وتنظيم سوق التعليم العالي، فنصّ على عقوبات جزائية تصل إلى الحبس لمدة لا تزيد على سنة، وغرامات مالية لا تقل عن 100 ألف درهم ولا تزيد على 10 ملايين درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بحق كل من ينشئ أو يشغّل مؤسسة تعليم عالٍ أو يقدّم برامج أو يروّج لها دون الحصول على الترخيص المؤسسي والاعتماد اللازمين.
وفي المحصلة، يشكّل قانون التعليم العالي والبحث العلمي الاتحادي الجديد إطاراً تشريعياً متطوراً يعكس استمرارية تعزيز منظومة التعليم العالي، ويدعم جودة المخرجات والتميُّز المؤسسي، ويساعد المؤسسات التعليمية على التكيّف مع المتغيرات المستقبلية، بما يرسّخ مكانة دولة الإمارات كمركز إقليمي ودولي للتعليم عالي الجودة والاقتصاد المعرفي.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد