إيران ومعضلة التنبّؤ في التحليل السياسي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

سبقت لي الكتابة في هذا الموضوع على الصعيد النظري، فالتنبّؤ هو أعقد مهام التحليل العلمي للظواهر السياسية، مقارَناً بمهمتَي الوصف والتفسير، والسبب في هذا يعود لعوامل عديدة، منها تعقُّد الظواهر السياسية وتشابك متغيراتها، ونقص المعلومات الدقيقة المتاحة للباحث، إنْ لم يكن غيابها، وعوامل أخرى لعل أهمها أن الباحث يفترض الرّشادة في صانعي القرارات، وهي سمة ليس من الضروري أن تتوفر فيهم جميعاً، وبالتالي فإن ما يفترض الباحث أنه الخيار الأمثل موضوعياً لصانع القرار، لا يراه الأخير كذلك، إمّا لأنه لا يتحلّى بموضوعية الباحث، أو لأن لديه من المعلومات ما ليس متوفراً للباحث، أما أخطر هذه العوامل فهو ما يُعْرَف بالتنبّؤ المحقِّق لذاته self fulfilling أو الهادم لذاته.
 ويعني أن الباحث قد يتوصل لتنبّؤ خاطئ، لكن ذيوعه وانتشاره قد يجعل المعنيين به يتصرفون باعتباره صحيحاً، فيحدث بالفعل، وأن باحثاً آخر قد يتوصل إلى تنبّؤ صحيح، لكن أصحاب المصلحة في عدم حدوثه يبذلون قصارى جهدهم لمنع حدوثه، كما في حالة التنبؤ بهزيمة حزب سياسي في الانتخابات، فيسعى قادته لتلافي القصور في أدائهم وينجحون، فلا يتحقق التنبؤ الذي كان صحيحاً قبل تدخُّلهم، وهذا ما يميّز التنبّؤ بمسار الظواهر الاجتماعية ومنها السياسية، حيث يمكن تغيير مسار الأحداث على خلاف الظواهر الطبيعية.
 وقد ساد التوتر في الأسابيع الأخيرة مع تصاعد نُذُر المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصابت الحيرة الكثيرين في فهم ما يجري، فاعتبر بعضهم، قبل اندلاع المواجهة العسكرية، أن الحشود الأميركية المتصاعدة دليل حاسم على أن العمل العسكري واقع لا محالة، مع أن التحشيد العسكري يمثّل مباراة معروفة للردع، بمعنى محاولة إخافة الخصم كي يُسَلم بالتنازلات المطلوبة منه، دون لجوء فعلي للقوة، فإذا فشل الردع أصبح اللجوء الفعلي للقوة ضرورياً، ويمكن لهذا اللجوء أن يكون متدرّجاً، بمعنى أن يتم بدرجة محدودة، لعل الخسائر الناجمة عنه تقنع الخصم بالأضرار التي ستنجم عن تمسكه بموقفه، وهو ما ألمح إليه الرئيس ترامب قبل بدء الهجوم الفعلي، فإذا استمر الخصم في رفض الاستسلام، يتحول استخدام القوة من المستوى المحدود للمستوى الشامل.
 وقد لا يكون الاستخدام الشامل للقوة عملاً رشيداً لمخاطره، خاصة لو كان الخصم يمتلك قدرة ما على الرد يمكن أن تمنع خصمه من الاستمرار في استخدام القوة. وهنا تبرز إحدى الصعوبات الكبرى التي تُقيِّد مهمة التنبؤ في التحليل السياسي، وهي أن المحلِّل لا بدّ وأن ينطلق من افتراض الرّشادة في صانع القرار، لأن غياب هذا الافتراض يعني أنه يمكن أن يفعل أي شيء بعيداً عن الحسابات الرشيدة للمكاسب والخسائر، وتصبح احتمالات نجاح التنبؤ السياسي صفراً، وتكون الجدوى الوحيدة من محاولة التنبؤ بسلوك صانع قرار سياسي غير رشيد هي القول بأنه يمكن أن يفعل أي شيء، وتزداد الأمور صعوبة بطبيعة الحال لو استخدم صانع القرار أساليب الخداع التكتيكي أو الاستراتيجي، لأنه في هذه الحالة يقوم بتحركات تفيد بعكس نواياه، ويتوقف نجاح الخداع على مهارة القائم به في التشويش على نواياه الحقيقية ومهارة المراد خداعه في كشف هذا الخداع، وهنا يجب أن يتمتع المحلل السياسي بخبرة فائقة وإلا كان هو أول المخدوعين. 


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة



إقرأ المزيد