جريدة الإتحاد - 3/3/2026 1:10:58 AM - GMT (+4 )
لنفترض أنك ستلقى حتفك في كارثة مروعة ناجمة عن الذكاء الاصطناعي. هل ستشعر بالسوء أكثر لو علمت أن طريق الدمار قد مُهّد بغطرسة أباطرة التكنولوجيا في وادي السيليكون الساعين وراء أحلام المدينة الفاضلة والخلود، أم بحماقة مسؤولي البنتاجون الذين منحوا الذكاء الاصطناعي جرعةً مصيرية من الاستقلالية والقوة على أمل التفوق على الروس أو الصينيين؟
خلال الحرب الباردة، انصبّ قلقنا أساساً على الحماقات العسكرية، ودخل الذكاء الاصطناعي في دائرة مخاوفنا حتى آنذاك: آلة يوم القيامة السوفييتية في فيلم «دكتور سترينجلوف»، والحاسوب الذي يلعب ألعاب الفيديو في فيلم «ألعاب الحرب»، وبالطبع قرار «المُدمر» المصيري بتفعيل سكاى نت.
لكن خلال السنوات القليلة الماضية، ومع تركيز التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي لسلطة هائلة محتملة في أيدي عدد قليل من الشركات والرؤساء التنفيذيين - المتجذرين في ثقافة منطقة خليج سان فرانسيسكو التي تمزج بين أحلام الخيال العلمي ومخاوف نهاية العالم - أصبح من الطبيعي أن يزداد القلق بشأن سلطة القطاع الخاص وطموحه، وبشأن من يسعون للسيطرة المطلقة على الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التركيز على الرؤساء والجنرالات.
إلى أن نشب الخلاف الحالي بين وزارة الدفاع الأميركية وشركة أنثروبيك، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، حول ما إذا كان ينبغي تقييد نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بأنثروبيك بالقيود الأخلاقية للشركة، أم إتاحتها لجميع الاستخدامات التي قد يضعها البنتاجون في اعتباره.
وبما أن العقد الحالي لشركة أنثروبيك يستبعد صراحةً استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الجماعية واستخدامه في أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل (أي من دون تدخل بشري في عملية اتخاذ قرار القتل أو عدمه)، فمن السهل استشعار تشابه مطالب البنتاجون مع مطالب سكاى نت. وكما أشار «مات إيجليسياس»، فإن جميع السيناريوهات الغريبة والمعقدة، التي يروّج لها المتشائمون بشأن الذكاء الاصطناعي تصبح أبسط بكثير إذا قررت حكومتنا البدء في بناء روبوتات قاتلة ذاتية التشغيل.
لكن هذا ليس ما يصرح البنتاجون بأنه ينوي فعله. فهاجسه المعلن هو أنه لا يستطيع دمج تقنية بالغة الأهمية في بنية الأمن القومي، ثم منح شركة خاصة حق النقض الأخلاقي العام على استخدامها، حتى لو بدت هذه الأخلاقيات منطقية نظرياً. إن القيام بذلك يُفوّض قرارات من المفترض أن يتخذها رئيس منتخب ومن يعينهم، ويُعرّض الشركة لخطر كارثة عندما لا تتوافق الأحداث مع مُثُل الشركات. (المثال الذي قدمته الوكالة هو هجوم صاروخي فرط صوتي على الولايات المتحدة، حيث ترفض شركة ذكاء اصطناعي المساعدة في رد فعل حاسم لأنها تخالف قاعدة عدم استقلالية الآلات).
ومع ذلك، حتى وإن كان هذا مصدر قلق مشروع، فإنه لا يبرر خطة الإدارة (حتى كتابة هذه السطور على الأقل) لشن حرب فعلية على شركة أنثروبيك، ليس فقط بإنهاء علاقة الجيش معها، بل أيضاً بتصنيفها «خطراً على سلسلة التوريد»، ما سيؤدي إلى قطع علاقاتها مع أي شركة تتعامل مع الحكومة الأميركية.
حتى الآن، دأبت إدارة ترامب على الترويج لفوائد نهج اللامركزية القائم على السوق الحرة في مجال الذكاء الاصطناعي. إن محاولة تفكيك شركة أنثروبيك، تعني نهاية تلك الحرية والتحول نحو نهج أكثر مركزية وعسكرة. بل إن الأمر، كما قال «دين بول»، أحد واضعي سياسة الذكاء الاصطناعي في الإدارة، يجعل الحكومة الأميركية، بلا شك، «الجهة الأكثر تشدداً في تنظيم الذكاء الاصطناعي في العالم».
وهذا سبب وجيه يدفع قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله إلى الوقوف إلى جانب أنثروبيك ومقاومتها. وإذا كنت تخشى سيناريو شبيهاً بسيناريو سكاى نت، حيث تدفع السيطرة العسكرية إلى تسريع غير حكيم في استخدام الذكاء الاصطناعي، فعليك بالتأكيد أن تكون إلى جانب أنثروبيك. لكن هل هذا هو السيناريو الذي يجب أن نخشاه أكثر من غيره؟ في الوقت الراهن، إذا استمعنا إلى «داريو أمودي»، رئيس شركة أنثروبيك - على سبيل المثال، في المقابلة التي أجريتها معه قبل أسبوعين - يبدو أكثر إدراكاً من وزير الدفاع «بيت هيجسيث» لمخاطر الذكاء الاصطناعي المُسلّح أو المارق.
على المدى البعيد، يمكن تصور أن مسؤولي البنتاجون يتمتعون ببعض المزايا مقارنةً بأقطاب الذكاء الاصطناعي التقليديين فيما يتعلق بالسلامة والتحكم. أولاً، يميلون إلى التركيز على الأهداف الاستراتيجية الملموسة أكثر من تركيزهم على قوى خارقة ونظرية التفرد التكنولوجي. ثانياً، يحدّهم الحذر البيروقراطي وتسلسل القيادة من بعض المخاطرات. ثالثاً، يخضعون للمساءلة أمام الجمهور، من خلال الانتخابات والرقابة المدنية، على عكس الرؤساء التنفيذيين.
بالتأكيد، إذا ما أصبح الذكاء الاصطناعي القوة التي يتوقعها العديد من كبار رجال الأعمال - قوة قادرة على تغيير مسار الحضارة، وأكثر تعقيداً من الأسلحة النووية، ولكنها لا تقل عنها تدميراً - فمن غير المعقول أن يبقى هذا الذكاء حكراً على القطاع الخاص، بينما تمضي الولايات المتحدة في شؤونها. سيظل احتمال السيطرة العسكرية والتأميم مطروحاً طالما أننا بصدد فهم إمكانيات هذه التقنية.
ومن هذا المنظور، فإن ما يفعله هيجسيث وإدارة ترامب هو البدء مبكراً في هذا الصراع الحتمي وإبراز السؤال السياسي الجوهري - من يسيطر فعلياً على الذكاء الاصطناعي؟ - إلى صدارة النقاش.
لكنّ السعي نحو الهيمنة ليس خطةً لممارستها. وبغض النظر عن رفض الإدارة قبول الضوابط التي تفرضها الشركات، لا أرى دليلاً على أنها فكرت ملياً في كيفية إدارة الذكاء الاصطناعي، أو كيف ستؤدي الحرب التي شنتها ضد شركة أنثروبيك في نهاية المطاف إلى مزيد من القوة أو مزيد من الأمان.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


