جريدة الإتحاد - 3/8/2026 11:07:22 PM - GMT (+4 )
في تاريخ الدول لا تكون لحظات العدوان مجرد أحداث طارئة، بل لحظات كاشفة لطبيعة البناء الذي قامت عليه الدولة. فالعدوان في جوهره ليس اختباراً للقوة العسكرية فحسب، بل اختبار لنضج الدولة السياسي وقدرة القيادة على ضبط الايقاع بين الحزم والحكمة.
فالقوة التي تقوم على ردود الأفعال غالباً ما تنزلق إلى الفشل، أما القوة التي تُبنى على رؤية استراتيجية فإنها تدرك أن إدارة الأزمة بوعيٍ واتزان ورؤية بعيدة هي أبلغ أثراً وأرسخ نجاحاً من أي استعراضٍ للقوة.
وفي لحظة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، بدا المشهد وكأنه مواجهة بين نموذجين مختلفين في فهم معنى القوة: دولة تُدار بعقل استراتيجي طويل النفس يعرف كيف يحمي الاستقرار ويصون السيادة من دون أن يفقد اتزانه، في مقابل عقلية تعتقد أن العدوان يمكن أن يفرض واقعاً سياسياً جديداً. لم تكن تلك الاعتداءات الغاشمة مجرد حادثة عسكرية عابرة، بل لحظة كشفت صلابة البناء السياسي والمؤسسي للدولة. ففي مثل هذه اللحظات يتضح الفارق بين دولة تنجرّ إلى ارتباك ردود الأفعال، ودولة تقودها مؤسسات راسخة تعرف كيف تحمي استقرارها من دون أن تفقد توازنها.
وفي هذا الاختبار ظهرت الإمارات كما أرادت لنفسها منذ عقود: دولة مؤسسات راسخة، واستقرار يُدار بعقلٍ استراتيجي هادئ لا بارتباك اللحظة. وفي قلب هذه المعادلة يبرز صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي لا يمكن فهم رؤيته في إدارة هذه اللحظة إلا ضمن سياق تاريخي أطول من الحدث نفسه. فالقائد الذي يرأس الدولة اليوم لم يصل إلى موقعه عبر المسار السياسي التقليدي، بل عبر مدرسة عسكرية واستراتيجية طويلة جعلته واحداً من أكثر القادة العرب فهماً لطبيعة التحولات والصراعات في النظام الدولي الحديث. فمنذ سنوات مبكرة، حين كان قائداً للقوات الجوية والدفاع الجوي ثم رئيساً لأركان القوات المسلحة، كان يعمل على مشروع يتجاوز مجرد تحديث الجيش أو شراء منظومات سلاح متطورة. كان يعمل على إعادة تعريف مفهوم القوة في دولة حديثة كبيرة في طموحها ودورها الإقليمي والدولي. ولذلك لم يكن تطوير القوات المسلحة مجرد برنامج تسليح، بل رؤية استراتيجية لإعادة بناء العقيدة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب والخبرات العسكرية، وإدخال منظومات تسليح وتكنولوجيا متقدمة، وبناء ثقافة عسكرية قائمة على الانضباط والاحتراف العملياتي وتنسيق العمل المشترك بين مختلف أفرع القوات.
هذه الرؤية الاستراتيجية هي التي جعلت ما حدث خلال الأزمة يبدو وكأنه اختبار عملي لعقود من التخطيط الاستراتيجي. فقد تعاملت القوات والدفاعات الجوية مع الاعتداءات بكفاءة عالية، وأدارت المؤسسات العسكرية والأمنية الموقف بدقة، بينما بقيت الدولة في عمقها الداخلي تعمل بإيقاعها الطبيعي، من دون أن تنزلق إلى حالة الهلع التي يسعى المعتدون دائماً إلى إنتاجها.
لكن الصورة لم تكن عسكرية فقط، بل إنسانية أيضاً؛ ففي ذروة إدارة الأزمة، حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على زيارة المصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية، في رسالة تتجاوز الرمزية السياسية إلى فلسفة حكم كاملة ترى أن الأمن ليس مجرد معادلة عسكرية، بل منظومة أخلاقية يكون الإنسان في قلبها.
ولعل العبارة التي قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بثقة القائد الذي يعرف قوة بلاده: «لا تغشّكم الإمارات… فجلدها غليظ ولحمتها مرّة»، تختصر فلسفة دولة كاملة: حِلم وهدوء في القرار، وصلابة في السيادة، وثقة راسخة بأن هذا الوطن الذي بناه زايد سيبقى، بإذن الله، قوياً بوحدته، ثابتاً في حماية أرضه، وماضياً بثقة نحو مستقبله.
*كاتب وباحث إماراتي
إقرأ المزيد


