الانتماء في مواجهة التحديات الجيوسياسية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تتجلّى قيمة المجتمعات الحية في قدرتها الفائقة على صهر التباينات الثقافية والإثنية في بوتقة واحدة عند الأزمات، وهو ما تجسّده دولة الإمارات العربية المتحدة في علاقتها الاستثنائية بين المواطن والمقيم. فعندما تلوح في الأفق بوادر تهديد للمجال الحيوي للدولة، أو تطل الأطماع الإقليمية برأسها، محاولةّ النيل من استقرار هذا النموذج التنموي الفريد، يتحول الفضاء الرقمي والواقعي إلى ساحة تعاضد وجداني يتجاوز الأُطر القانونية الضيقة للجنسية نحو ما يمكن تسميته مواطنة الانتماء للمكان. إن هذا التعاضد هو نتاج سوسيولوجي عميق لنموذج العقد الاجتماعي المفتوح، والذي جسّدته رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين قال: «أعبّر عن تقديري العميق لوعي مجتمعنا من الإماراتيين والمقيمين شركاء الوطن الذين عبّروا عن حبهم للإمارات بالقول والفعل». 
من هذا اليقين والتقدير يشعر المقيم أن أي استهداف للأرض التي تحتضن مستقبله وترعى أحلام أبنائه هو استهداف شخصي مباشر لكيانه ووجوده، مما يحوّل شعوره بالدفاع عن السيادة الإماراتية هو أيضاً إلى دفاع عن الذات.
وخلال متابعتي لبعض ردود أفعالهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي رصدت أن هذا التعاضد الوجودي يفسر سيكولوجياً من خلال مفهوم ردّ الجميل لمكان وفّر للفرد شرط الكرامة الإنسانية والفرصة العادلة في بيئة يسودها القانون والتسامح، مما جعل المقيم يرى في الإمارات وطناً اختيارياً يمنحه المعنى الوجودي كما منحه الأمان المادي.
بيد أن هذا الانحياز الكلّي والولاء الصادق للإمارات في لحظات الخطر لا يمثّل بأي حال من الأحوال نفياً للانتماء الأصيل للمقيم تجاه وطنه الأم ولا يُقلّل من قدسية جذوره الأولى، بل على العكس تماماً إن هذا الوفاء للإمارات هو امتداد أخلاقي ووجداني لذلك الانتماء الأصلي، فالمقيم الذي يحمل قيم الوفاء لوطنه الأول، الذي وُلد فيه هو ذاته الذي يمارس أرقى صور الوفاء للوطن الذي احتضنه ومنحه فرصة الحياة الكريمة. 
هنا يصبح الانتماء قيمة عابرة للحدود تتسع لتشمل الأرض التي منحت الإنسان جذوراً جديدة للنمو. نحن أمام حالة من تعدد الانتماءات المتناغمة، حيث لا تُلغي المحبة الجديدة للإمارات ذاكرة الحنين والمحبة للوطن الأم، بل يكملها ويمنحها بُعداً إنسانياً أكثر رحابة.
نحن أمام تجربة هوياتية تذوب فيها الفوارق العرقية أمام الخطر المشترك، وتصبح لغة التعبير عبر التدوينات الداعمة والمنشورات المساندة درعاً معنوياً، يوازي في صلابته منظومات الردع العسكري. إنّ المقيم هنا يدافع عن فكرة التعايش الكونية التي تمثّلها الإمارات وعن نمط حياة حضاري فريد.
إن هذا الامتزاج بين أبناء الأرض وشركاء التنمية في خندق واحد يثبت يقيناً أن الانتماء ليس مجرد وثيقة رسمية مخزّنة في أرشيف الذاكرة، بل هو قدرة الإنسان على أن يكون مخلصاً للمكان الذي يبادله الحب بالأمان والجهد بالتقدير. وتظل الإمارات هي الآن والواقع الذي يستحق حمايته بكل ما أوتي الفرد من طاقة فكرية وعاطفية، فالأوطان الحقيقية هي التي يرى فيها الإنسان انعكاساً لمستقبله، والتقدير الكافي ليصنع منجزاته المهنية والحياتية. وتبقى الإمارات حاضنة لأكثر من 200 جنسية يعيشون في تعايش وتناغم فريد تحت مظلة من الأمان والاستقرار والمحبة.


*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.

 



إقرأ المزيد