الإمارات.. حكمة القوة ومنهج الاتزان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تشهد منطقة الخليج العربي مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد التوترات الإقليمية، في ظل سلوك إيراني يشكِّل «سابقة غير معهودة» و«مساراً غير عقلاني»، وهو وصف يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحول في أنماط التهديد، التي لم تعُد تقف عند حدود الخلاف السياسي، بل امتدت لتطال استقرار المنطقة ومقدراتها الحيوية.

وفي هذا الشأن، يتضح أن طبيعة الصراع في المنطقة تحولت إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، بعدما طالت الاعتداءات الإيرانية أهدافاً مدنية في دول مجلس التعاون الخليجي. ويُصنّف هذا التحول ضمن «الصراع غير التقليدي» أو الصراعات بالوكالة، التي تقوم على الضغط غير المباشر دون مواجهة شاملة، وهو ما يفسر وصفه بغير العقلاني لما ينطوي عليه من مخاطر تصعيد مفتوح يصعب احتواؤه. وفي خضم هذا المشهد، برز الموقف الإماراتي، الذي يجمع بين الوضوح والحزم دون الانزلاق إلى خطاب تصعيدي.

وقد أكدت معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة للتعاون الدولي، أن هذه الاعتداءات تمثل تجاوزاً خطيراً يستهدف المدنيين والبنية التحتية، وشددت على أن دولة الإمارات لم تكن طرفاً في أي تصعيد، ولم تستخدم أراضيها لأي أعمال عدائية، وهو طرح يعكس وضوح الموقف القانوني والسيادي للدولة، كما حمل خطابها بُعداً استراتيجياً مهماً من خلال التأكيد على أهمية الشراكات الدولية، وتوسيع دائرة الدعم، والدعوة إلى تقليل الحروب والصراعات، وهو ما يعكس نضجاً سياسياً يعزز مكانة الإمارات ويكسبها تأييداً دولياً واسعاً.

التحليل السياسي لموقف الإمارات من الاعتداءات الإيرانية السافرة، يؤكد رؤية عميقة لدى الدولة تقوم على مفهوم القوة الحكيمة، فالإمارات لا تتعامل مع التحديات بردود فعل آنية، بل ضمن استراتيجية متكاملة تقوم على الجاهزية الدفاعية العالية، والقدرة على التعامل مع التهديدات دون تصعيد، إلى جانب توظيف الأدوات الدبلوماسية، بحثاً عن الردود المحسوبة التي توازن بين حماية السيادة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تكون كلفتها أكبر من مكاسبها.

ويأتي هذا النهج منسجماً مع رؤية القيادة الرشيدة، التي تنتهج سياسات تجمع بين القوة والحكمة، فدولة الإمارات تقدم نموذجاً متماسكاً في إدارة الأزمات، يرتكز على رؤية استراتيجية طويلة المدى، تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وحماية المصالح الاقتصادية، وتعزيز الشراكات الدولية، وترسيخ موقع الدولة كقوة إقليمية معتدلة ومسؤولة، وهذا النهج لا يكتفي باحتواء التهديات، بل يسهم في تحويلها إلى فرص لتعزيز المكانة الدولية، وهو ما يميز السياسات الناضجة عن ردود الفعل المؤقتة.

وختاماً، تمثل المرحلة الراهنة اختباراً حقيقياً لإدارة الأزمات، نجحت فيه الإمارات وأثبتت نموذجها المتفرد الذي يجمع بين الحزم والاتزان، حيث تدير التحديات بوعي، وتوظف قوتها بحكمة، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن أعظم الانتصارات يكمُن في تجنب الحروب مع الحفاظ على الهيبة والسيادة، وستظل دولة الإمارات، بإذن الله، رمزاً للأمن والاستقرار، محفوظة بقيادتها وشعبها، وماضية بثبات نحو العز والازدهار، في ظل عناية الله، وحفظه من كل مكروه.

*كاتبة إماراتية



إقرأ المزيد