بين الأجهزة الذكية والكتابة باليد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يُروى عن الفيلسوف اليوناني الشهير سقراط (عاش قبل الميلاد بنحو 2500 عام) أنه كان يؤثر الذاكرة على الكتابة، أي الحفظ على التدوين، وأنه كان يدعو طلابه ومريديه إلى نبذ الكتابة وإلى الاعتماد بدلاً منها على الذاكرة والحفظ. كان سقراط يعتبر أن ما يُكتب على الورق يَضيع مع الورق، وأن ما يحفظه الإنسان في الذاكرة يبقى في الذاكرة ما بقيَ الإنسان نفسه.. حيث تتوالد المعلومات والأفكار مع المزيد من تدفّق المعارف.

لكن ماذا يمكن أن يقول «سقراط» القرن الحادي والعشرين عندما يعرف أن «العقول الإلكترونية» أصبحت تفكّر في كل شيء، وتبرمج كل شيء، وتملي كل شيء، وتكاد تحلّ محلّ الكتابة وحتى محلّ الذاكرة الإنسانية معاً؟ تؤكد دراسات علمية حديثة أن الكتابة على الورق لا تحسِّن الذاكرة فقط، ولكنها أيضاً تساعد على الاستيعاب الأشمل والأعمق للمعلومات وللحقائق الكونية في الذات الإنسانية. تتوالد المعلومات وتتكامل داخل العقل الإنساني مع إغنائها بالمزيد من المعارف والمعلومات الأخرى. ومن شأن ذلك أن يفتح هذا العقل البشري أمام آفاق جديدة من المعارف والأفكار، وأن يشقّ طريقَ الإنسان إلى حقائق جديدة في الكون وفي النفس الإنسانية، من خلال الاستيعاب والمقارنة والإبداع. من أجل ذلك بدأت المدارس في دول مختلفة من العالم تعيد النظرَ في اعتماد الأجهزة الإلكترونية (اللوحية) في العملية التعليمية.

وحتى المدارس في الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ عام 2010، أي قبل 15 عاماً من الآن، بدأت عمليةَ إعادة النظر في اعتماد الأجهزة الإلكترونية في التعليم على الكتابة. وفي السويد، التي تعد متقدمة في المجال التعليمي، تقرّرَت العودة إلى الكتاب المطبوع، وإلى الكتابة اليدوية على الورق. حدث ذلك تحت ضغط من الأساتذة وحتى من أولياء أمور التلاميذ. ورُفع في السويد شعار يقول: «مزيد من الكتب المطبوعة.. وقليل من الأجهزة الإلكترونية».

كما ذهبت مدارس في الولايات المتحدة إلى أبعد من ذلك، فحظرت على طلابها استعمالَ الحواسيب والأدوات التعليمية الإلكترونية.. بغية تسريع العودة بالعقل الإنساني إلى التفكير والإبداع، وباليد إلى الكتابة والتوثيق. لقد بيّنت الدراسات العلمية الحديثة أن الكتابة باليد على الورق تحسّن نوعية الإبداع الفكري، وتحافظ عليها من الضياع والنسيان، كما تساعد على توليد الأفكار وحفظ المعلومات، كما أنها قادرة على توصيل المعلومات بطريقة أكثر سرعة، وعلى تخزينها بعمق أكبر في ثنايا العقل البشري نفسه.

من الواضح الآن أن آراء الفيلسوف اليوناني العظيم سقراط ما كانت لتصل إلينا لو لم يقم تلميذُه أفلاطون بالعمل على تسجيلها وتدوينها كتابةً، وبخط يده.قبل نحو عقدين من الزمن، قررت دولة الكويت منعَ طلاب المدارس الابتدائية من استخدام الآلة الحاسبة في دروس الحساب. في وقته أثار هذا القرار استغراباً لدى البعض، إذ بدا وكأنه يسير بعكس التيار التعليمي السائد في العالم المتقدم. لكن علماء التربية الاجتماعية يرون اليوم في ذلك القرار حكمةً وبُعد نظر.. فالقرار حافظ على استمرار عمل العقل في التفكير والإبداع والحفظ. وقديماً، رُوي عن الإمام عليّ، كرّم الله وجهه، أنه قال: «ربِّ مَن أعطيتَه العقلَ ماذا حرمته؟.. ومَن حرمته العقلَ ماذا أعطيتَه؟».

*كاتب لبناني
 



إقرأ المزيد