جريدة الإتحاد - 3/22/2026 10:55:31 PM - GMT (+4 )
قيل إن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قبل اغتياله مؤخراً، كان متخصصاً في فلسفة كانط، وكتب حولها أعمالاً عدة منشورة. ولم تثنه نقدية كانط عن الانحياز للخط المحافظ المتشدد في بلاده ولا الدفاع عن عقيدة تصدير «الثورة» ونقل الحروب إلى المنطقة العربية، ومنها دول الخليج التي تواجه في الوقت الحالي اعتداءً إيرانياً سافراً.
وقد سألني أحدهم: ما الذي يبرر في فلسفة كانط الاعتداء والتعصب والعنف؟ فأجبته: لا يمكن الاستناد إلى كانط لتبرير هذه المواقف المستهجنة التي تتعارض مع فلسفته النقدية وأفكاره الرائدة حول السلم والتسامح الإنساني.
أهم فكرة دافع عنها كانط في أعماله الفلسفية هي استقلالية الإنسان ورشده وخروجه من حالة الوصاية والسيطرة على وعيه، وذلك هو معنى التنوير وفق التعريف الذي يقدمه لهذا التحول التاريخي النوعي الذي عرفته المجتمعات الحديثة.
وفي مقالته الشهيرة حول الأنوار، يتحدث كانط عن «الاستخدام العمومي للعقل»، والذي يعني به تمتع المواطن في الدولة الحديثة بحق التفكير والتعبير والمشاركة المسؤولة في مسار التداول العمومي. ومن الواضح أن هذا المفهوم يتعارض جذرياً مع التعصب الأيديولوجي والسلطة القمعية الإكراهية التي تصادر حريات الإنسان الفردية والجماعية وتواجه بالقوة والعنف الآراءَ الاحتجاجية، كما حدث في إيران خلال انتفاضة يناير الماضي.
كما أن كانط هو مَن طرح مفهوم «السلام الأبدي» واعتبَره الأفقَ المستقبلي للعلاقات بين الأمم، مبيناً أن من شروطه الأساسية قيام أنظمة سياسية تحترم القوانين والعدالة، وبالتالي تمتنع عن الاعتداء والحروب.
لقد تعرضت إيران في السنوات الأخيرة لأمن واستقرار الدول العربية، فشكلت ميليشيات تابعة لها سيطرت عسكرياً في كل من لبنان والعراق واليمن، وأججت الحروب الطائفية في المنطقة، وحاربت الانتفاضة الشعبية ضد النظام السابق في سوريا.
وها هي اليوم توجِّه اعتداءَها لبلدان الخليج العربية التي حاولت بكل الطرق تجنيبَها الحربَ، ورفضت استخدامَ أراضيها في ضرب إيران، وحرصت في السابق على إقامة علاقات جوار طبيعي معها.
الدرس الكبير الذي تعلمناه من كانط هو أن ما يميز الدولةَ الحديثة عن الأنظمة الاستبدادية الوسيطة هو الشرعية القانونية التي أراد نقلها إلى مستوى العلاقات بين الأمم. وما نلاحظه في السياسة الإيرانية الحالية هو انتهاك مبدأين أساسيين من مبادئ الشرعية الحديثة هما: انتهاك سيادة دول غير معادية وغير شريكة في الحرب القائمة، واستهداف المنشآت الاقتصادية والمرافق الإنسانية المدنية التي تتعلق بمصالح الناس وحاجياتهم الحيوية.
وحتى في نظرية «الحرب العادلة» التي استبدلت بمنظومة القانون الدولي المعاصر، كان الفصل صريحاً بين المحارب وغير المحارب، وبين العسكري المسلح والمدني المسالم.
ومن البديهي أن هذه التحديدات قد تبنتها الشريعةُ الإسلاميةُ نفسُها في أحكام الجهاد والحرب، ومِن ثَم لا يمكن بأي حال تبرير الاعتداء الإيراني على بلدان الخليج العربي.
لم يتحقق مشروع كانط في السلم الأبدي، وأخفق رهانُه على الثورة الفرنسية التي حلم بأن تفضي إلى نقل القيم الإنسانية المتسامحة إلى أوروبا، فقامت في بداية القرن التاسع عشر الحروب النابليونية التي نثرت الفتنة والعنف في القارة. بيد أن فلسفته القانونية السلمية أصبحت من بعد هي الخلفية المرجعية للقانون الدولي والإطار الأخلاقي لتقييد الحرب بين الأمم والدول.
في إيران، حيث يقرأ كانط على نطاق واسع، لم تَنفذ أفكارُه العقلانيةُ والتنويرية إلى مركز القرار ودوائر السلطة، والدليل الساطع هو سيطرة النظام التسلطي القمعي الذي يخنق الحريات الداخلية، ويعتدي على جواره الإقليمي.
وفي المقابل، استطاعت دول الخليج العربية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، بناء أول حالة كوسمبولوتية بالمنظور الكانطي، أي المجتمع الإنساني المفتوح والمتسامح، وذلك باستقبالها مئات الجنسيات من مختلف أنحاء العالم، لتتمتع بمختلف الحقوق الاجتماعية، في الوقت الذي ضمنت فيه لمواطنيها كلَّ شروط ومتطلبات العيش الكريم والعدالة المنصفة.
لقد اختزل كانط القانون الكوسمبولوتي في حق الزيارة والضيافة والمعاملة السلمية، في حين عاملت الدولُ الخليجية الوافدينَ لها بمنطق الأخوّة والتضامن، بما يشكّل حالةً فريدة لم تعط حقها من الاهتمام والدراسة.
ما تريده إيرانُ مِن اعتدائها على دول الخليج يتجاوز حدودَ هذه الدول وأوضاعَها الداخلية، ويتعلق بأمن العالم، الاستراتيجي والاقتصادي، وذلك ما يبين الموقع المحوري للمنظومة الخليجية في الخارطة الدولية.
خلاصة الأمر، أن دول الخليج حققت الحلمَ الكانطي في بناء الإنسان العقلاني المتسامح والمسالم، ولذا فالأمن الخليجي هو اليوم ضرورة كونية قصوى في ما وراء الاعتبارات الاستراتيجية الإقليمية المعروفة.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


