جريدة الإتحاد - 3/22/2026 11:01:39 PM - GMT (+4 )
على امتداد الخمسين عاماً الماضية، شكّلت إيران حالةً فريدةً لحراك سياسي وديني متداخل، ضمْن صراع مكشوف حول طبيعة السلطة، ومصدر الشرعية، وهوية الدولة ودورها الإقليمي والعالمي. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ظلّ الشارع الإيراني عنصراً فاعلاً في إعادة إنتاج السلطة أو تحدّيها، وإنْ بآليات ونتائج مختلفة.
وقد بدأ التحول المفصلي في إيران مع الحراك الذي قاد إلى إسقاط نظام الشاه في عام 1979، والذي لم يكن ثورة دينية خالصة، بل كان حراكاً شعبياً شمل قوى متعددة: تيارات دينية، وأخرى يسارية وقومية وليبرالية، كما شمل طبقاتٍ وسطى ناقمةً على النظام القائم في حينه.
غير أن التيار الديني، بقيادة الخميني، استطاع اختطاف واحتكار لحظة «الانتصار»، مستفيداً في ذلك من تنظيمه الشبكي الواسع، وخطابه الديني التعبوي، وهو ما منحه بعضَ الدعم الشعبي. كما استفاد من موقف الجيش الإيراني الذي قرّر التخلي عن سلطة الشاه والعمل على تسريع انهيارها، فأعلن أنه لن يطلق النار على المحتجّين المطالبين بإسقاط النظام. وهذا بالطبع فضلاً عن توفر ظرف دولي سمح بسقوط نظام حليف للغرب، دون تدخل مباشر لإبقائه. وخلال عِقد الثمانينيات، تراجع زخم ذلك الحراك، كما تغيرت النظرةُ إليه بوصفه أداةَ تغيير داخلي، خاصة بفعل حرب الثماني سنوات مع العراق، والتي استُخدمت فيها مفرداتُ «الدفاع المقدس» لتوحيد الداخل الإيراني، كما جرى خلالها قمع أي معارضة باسم الأمن القومي.
هذه الحرب لم تسهم فقط في عسكرة الدولة الإيرانية، بل ساهمت أيضاً في ترسيخ دور «الحرس الثوري» الذي أنشأته السلطة الجديدة ليصبح فاعلاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، كما نتج عنها نقلُ مركز الثقل من الشارع إلى «المؤسسات الثورية»، والتي باتت العمودَ الفقري للسلطة. وبعد انتهاء الحرب، وبدايةً من مطلع التسعينيات، شهدت إيرانُ حراكاً إصلاحياً نخبوياً، بدعم شعبي واسع من فئات الشباب والطبقة الوسطى، وهو حراك راهن على الإصلاح من داخل النظام، لا إسقاطه، مما تجسّد في صعود «التيار الإصلاحي» وانتخاب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية عام 1997. ورغم الزّخم الشعبي والدعم الغربي الضّمني، فقد تآكل هذا الحراك وتم احتواؤه، مما عمّق الفجوةَ بين الشارع والنظام.
وشكّل عام 2009 نقطة تحوّل رئيسية مع بروز «الحركة الخضراء» التي اندلعت احتجاجاتُها على خلفية التزييف الذي عرفته الانتخابات الرئاسية في حينه، حيث عاد الحراك الشعبي بزخم أوسع ووعي أعمق، فرُفعت شعاراتٌ تتحدى جوهرَ السلطة لا سياساتها فقط. ورغم اتساع رُقعة الاحتجاجات واستمرارها، فإن غياب القيادة الموحدة ومحدودية الدعم الدولي قلّلا من نتائجها، وهو ما سمح بقمع المحتجّين، ومن ثم بإعادة تثبيت السلطة عبر أدوات أمنية وإعلامية فعالة.
ثم دخل الحراك الشعبي الإيراني مرحلةً جديدة أكثر خطورةً على النظام بدايةً من عام 2017. فالاحتجاجات لم تَعُد محصورة في الطبقة الوسطى أو المدن الكبرى، بل امتدت إلى الأطراف والطبقات الفقيرة، وارتبطت بقضايا معيشية مباشرة، كما تراجع البُعد الأيديولوجي فيها لصالح شعارات ترفض مجملَ المنظومة الحاكمة، في تعبير واضح عن تآكل العقد الاجتماعي الذي قام عليه النظام. ولعل ذلك ما أسّس لموجة الاحتجاجات التي اجتاحت إيرانَ منذ ديسمبر 2025، والتي اتسمت بطابعها الأفقي غير المركزي، فاتسعت قاعدتها الاجتماعية بسبب ارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتفاقم التضخم وتدهور المعيشة.. فتحولت الشعارات من مطالب اقتصادية إلى مطالب سياسية مضادة للسلطة، مما وضع النظامَ الإيراني أمام معادلة غير مسبوقة منذ قيام «الجمهورية الإسلامية».
واليوم، ومع دخول الحرب الحالية أسبوعَها الرابع، ما زالت الصورة في الداخل الإيراني ضبابية، إذ لم ينقشع دخان نيران الصواريخ الأميركية والإسرائيلية التي أصابت في يومها الأول المرشدَ الأعلى وعدداً من كبار القادة العسكريين والأمنيين، ثم أُعلن عن أصابة خليفته وقيادات أخرى. وهناك الآن سيناريوهات متعددة ترسم مستقبل إيران، تتراوح بين صراع داخلي طويل وانهيار مفاجئ للنظام في ظل حقيقة أن إعادة التنظيم السياسي في البلاد ستكون مهمة معقّدة في جميع الأحوال.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


