جريدة الإتحاد - 3/22/2026 11:07:44 PM - GMT (+4 )
حرب إيران الغاشمة واعتداءاتها السافرة ضد دول الخليج العربية، هي حربٌ أيديولوجيةٌ لا مكان لها من إعراب المنطق ولا معايير المصالح ولا لغة السياسة، إنها تمثّل محبة الاعتداء للاعتداء، والرغبة في استهداف الجيران، استهداف مبيّت وقديم.
طبيعي أن الكاتب حين يجيل النظر في مكتبته المفرّقة في أرجاء منزله، أن يعرف كم هو محبٌ للقراءة من زمنٍ ليس بالقصير، فهو كلما تصفّح كتاباً ربطه بأحداثٍ مضت عبر تعليقاته وتهميشاته، وربطه بمراحل انطوت وذكّره بأفكارٍ اندثرت، وأخرى اختمرت، وهي مسيرة طويلة يعرفها كل قارئ أو كاتبٍ محترفٍ.
لكاتب هذه السطور عنايةٌ خاصةٌ بالتاريخ، دلّته على أهمية الشهادات الشفهية في التاريخ الحديث، ونبّهته على قيمتها الكبرى عند رواية الأحداث وسرد القصص، وفي 28 فبراير الماضي، أي قبل فترة قصيرةٍ، كان في مكتبته الخاصة في اجتماع عملٍ صغيرٍ، ودخلت عليه ابنته الصغيرة تنبّهه على أصواتٍ قويةٍ غريبةٍ أثارت في قلبها الخوف لأول مرةٍ في مدينةٍ دبي الهانئة التي تمثّل كوكباً آخر، فأنهى اجتماعه سريعاً وخرج ليكتشف أن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران قد بدأت، وأن إيران قد شرعت بشكلٍ مستعجلٍ في استهداف دول الخليج العربي.
وبين مشاعر الصدمة، وفضول الاكتشاف، والرغبة في طمأنة العائلة، خرجتُ إلى الفناء، وكان المشهد معبّراً عن كل معاني الإحباط المختلطة بالثقة التامة بقدرات دولة الإمارات ودول الخليج قاطبةً على التصدّي الكامل لهذا الاعتداء العسكري الإيراني المكثّف بالصواريخ الباليستية والمسيّرات على دول الخليج وشعوبها دون أي مبرّرٍ سياسيٍ أو أخلاقيٍ، وكانت تلك لحظةً تاريخيةً ستتذكرها دول الخليج العربي طويلاً.
هذه الكلمات هي مجرد شهادةٍ تاريخيةٍ على حدثٍ استثنائي بقلم شاهد عيانٍ سعوديٍ يعيش في دولة الإمارات منذ عشرين عاماً، فعندما شاهد اعتراض الصواريخ الإيرانية في سماء مدينة دبي التي اختارها مسكناً له ولعائلته، عادت به الذاكرة القهقرى 36 عاماً حين كان وقتها في عاصمة وطنه الحبيب الرياض وبدأت الصواريخ الباليستية تهبط في سمائها من عراق صدام حسين وتعترضها صواريخ «الباتريوت» في مشهدٍ لا يمكن لمَنْ عاصره أن يُمحى من ذاكرته.
لقد اختلف الإنسان نفسه بعد ثلاثة عقودٍ ونيفٍ، بين شابٍ في مقتبل العمر، جريء وقتها كما يليق بعمره، هرع مسرعاً لسيارته بعد سماع دويّ انفجارٍ في 1990 في الرياض يفتّش عن موقع الصاروخ العراقي الذي سقط حتى وصل إليه، ولم يقتنع حتى مسك بيديه سور المبنى الذي تهدّم بعضه، ورأى بأمِّ عينيه الدخان المتصاعد من بين ركام المبنى المنهدم بصواريخ صدّام الغادرة، وبين كهلٍ في منتصف الخمسينيات من عمره اليوم في دبيّ حريصٍ على عائلته وابنتيه الصغيرتين يكتفي بمتابعة السماء ومعاركها العجيبة.
الشهادات الشفهية ليست مجرد ذكرٍ للأحداث وتفاصيلها، بل هي نقلٌ إنسانيٌ للأحاسيس والمشاعر وتصريحٌ بطبيعة العواطف التي تختلج في النفوس عند اللحظات التاريخية، وقد كان هذا الحدث خليطاً بين مشاعر المفاجأة وبين العِلم بتناقضات المشهد، مع استشراف مآلات الحرب واستيعاب مخاوف الأطفال وخيارات الأصدقاء والجيران الذين فضّلوا الابتعاد والنأي بالنفس، وبين الموقف الواقعي الذي يضع الأمور في حجمها الطبيعي ويتحمل التبعات تجاه فلذات الأكباد، بعيداً عن أي شعورٍ مدّعٍ بالقوة أو الشجاعة.
أخيراً، فإن معارك الصغار تظل صغيرةً، ومعارك الكبار تبقى كباراً، ولئن شُغِلنا بالأمس القريب بالتفاهات، فإننا جميعاً مجبرون اليوم على الوعي العميق لحماية الذات والوطن والحلفاء، خصوصاً وقد تجلّت أحداث التاريخ وتجاربه عن نكرانٍ وجحودٍ تاريخيين ينبغي أن يتغير بعدهما الكثير.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


