جريدة الإتحاد - 3/22/2026 11:14:01 PM - GMT (+4 )
في زمنٍ تتسارع فيه هيمنة الفضاءات الرقمية على تفاصيل التفاعل اليومي، تبرز أهمية مبادرة «وِلفة» المجتمعية التي أطلقتها مجالس أبوظبي في مكتب شؤون المواطنين والمجتمع بديوان الرئاسة، والتي تعد أداة حيوية لإعادة الحيوية إلى العلاقات الإنسانية، التي باتت مهددة بالتآكل في ظل تسارع أنماط الحياة الحديثة.
وتكتسب «وِلفة» أهميتها من قدرتها على إعادة تعريف المجلس الإماراتي بوصفه فضاءً حيوياً يتجاوز شكله التقليدي، ليغدو منصةً ديناميكيةً للحوار وتبادل الخبرات وبناء الوعي الجمعي، ضمن سياقٍ معاصر، على النحو الذي يُمكّنها من الاستجابة لتحولات المجتمع، ويمنحها القدرة على الاستمرار بوصفها إحدى أهم الحواضن الاجتماعية التي تُشكّل وجدان الأفراد، وتعزز ارتباطهم ببيئتهم وقيمهم.
ولعل ما يميّز هذه المبادرة أنها تنطلق من فهمٍ عميق لطبيعة التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، وفي مقدمتها ذلك التباعد الوجداني الذي قد ينشأ رغم التقارب المكاني، نتيجة الانغماس في العالم الافتراضي. ولا تسعى «وِلفة» إلى إقصاء التكنولوجيا أو التقليل من دورها، بل تعمل على إعادة توجيهها لتكون أداةً مساندة لتعزيز التواصل الإنساني، الذي لا بديلاً عنه، بما يحقق نوعاً من التوازن بين مقتضيات العصر الرقمي، وضرورات التفاعل الاجتماعي المباشر.
كما تتقاطع المبادرة بوضوح مع التوجهات الوطنية لدولة الإمارات، التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، وتتعامل مع التماسك المجتمعي بوصفه ركيزة أساسية في مشروع التنمية المستدامة، حيث يبرز هذا التوجه من خلال إعلان عام 2025 «عام المجتمع»، وما صاحبه من سياسات ومبادرات نوعية، مثل تأسيس وزارة الأسرة، وتحول وزارة تنمية المجتمع إلى «وزارة تمكين المجتمع»، إلى جانب تطوير الأطر التشريعية المنظمة للعلاقات الأسرية، بما يعكس رؤية استراتيجية متكاملة لبناء مجتمع متماسك، وقادر على مواجهة التحولات المتسارعة.
ويمكن النظر إلى «وِلفة» باعتبارها امتداداً عملياً لهذه الرؤية، إذ تسهم في تحويل المفاهيم المتعلقة بالتماسك الاجتماعي إلى ممارسات واقعية يومية، تُعيد الاعتبار لفكرة اللقاء الإنساني المباشر، وتُعزز من حضور القيم المرتبطة بالتواصل والتكافل والتآلف داخل المجتمع. فهي لا تكتفي بتوفير مساحة للقاء، بل تخلق بيئة تفاعلية تُشجّع على الحوار، وتُسهم في بناء جسور التفاهم بين مختلف الفئات والأعمار.
ومن زاوية أخرى، تنطوي المبادرة على بُعد استراتيجي يتصل بمفهوم الأمن الاجتماعي، الذي بات يشكّل أحد أهم مرتكزات الاستقرار في المجتمعات الحديثة. فتعزيز الروابط الاجتماعية، وتوسيع دوائر التفاعل الإيجابي بين الأفراد، يسهمان في الحد من مظاهر العزلة والانفصال، ويعززان من قدرة المجتمع على التماسك في مواجهة الأزمات والتحديات.
واستناداً إلى هذا التوجه، فإنه يمكن القول إن «وِلفة» تمثل استثماراً طويل الأمد في رأس المال الاجتماعي، الذي يُعد أحد أهم الموارد التي تقوم عليها قوة الدول واستدامة مجتمعاتها. كما تبرز قيمة هذه المبادرة في قدرتها على استنهاض طاقات الأفراد، وتحفيزهم على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الفاعل في بناء المجتمع، بما يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويُسهم في ترسيخ ثقافة المشاركة المجتمعية. ذلك أنه حينما يُتاح للأفراد فرصة للتعبير والتفاعل، فإنهم يصبحون أكثر ارتباطاً بمجتمعهم، وأكثر استعداداً للإسهام في تطويره.
وفي الواقع، فإنه ومن خلال هذا المبادرة، تؤكد دولة الإمارات أن بناء مجتمعٍ قوي ومتماسك لا يتحقق بالسياسات وحدها، بل يحتاج إلى مبادرات حيّة تُترجم القيم إلى ممارسات، حيث يلتقي الناس وجهاً لوجه، في صورةٍ تختزل جوهر «الوِلفة» بوصفها رابطاً إنسانياً يتجاوز الزمان والمكان.
إن مبادرة «وِلفة» تمثل نموذجاً لكيفية توظيف الأدوات الاجتماعية والثقافية في خدمة مشروع وطني أشمل، يُعلي من قيمة الإنسان، ويضع جودة العلاقات الإنسانية في قلب معادلة التنمية. فهي ليست مجرد مبادرة اجتماعية، بل رسالة متجددة تؤكد أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تحققه من إنجازات مادية، بل بقدرتها على صون دفء العلاقات الإنسانية، وتعزيز روح التآلف بين أفرادها.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


