في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
ايلاف -

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتكدّس فيه الإجابات الجاهزة، يبدو أنَّ المستقبل – كما يرى الفيلسوف والروائي الإسباني خوسيه كارلوس رويث – لن يكون حليفًا لمن يحفظون الأجوبة، بل لمن يُحسنون طرح الأسئلة. هذه الفكرة تتسلل بهدوء عبر روايته "امرأة متعلّمة"، حيث تستحضر شخصيات وأفكار حنّة آرنت وكانط وفوكو وشوبنهاور وليبوفيتسكي وأرسطو وغيرهم، في رحلةٍ أدبيةٍ وفلسفيةٍ بطلتها إيفا، أستاذة الفلسفة التي تبلغ ذروة إنجازها الأكاديمي، قبل أن يقلب تشخيص إصابتها بسرطانٍ عضال حياتها رأسًا على عقب. ومن خلال حواراتها مع ممرضها، تخوض سفرًا تأمليًا يشبه الوصية الأخيرة، تتناول فيه الصدق والذنب والوحدة والمغفرة والحزن، وتعيد مساءلة معنى أن نحيا بوعي.

يرى رويث أن الحوار ليس فنًا عابرًا، بل حرفة تحتاج إلى معلمين وزمن وممارسة. فالمحادثة الحقيقية، كما يوضح، تقوم على علاقةٍ متبادلةٍ تُنشئ رابطةً بين المتحاورين. غير أن هذه العناصر جميعها تمرّ بأزمةٍ في زمنٍ يمجّد الفرد العصامي، ويُعلي من شأن الاكتفاء الذاتي، ويُضعف الاعتراف بفضل المعلّم أو بضرورة التعلّم من الآخر. لم يعد كثيرون ينظرون إلى من يحاورونهم بوصفهم شركاء في بحثٍ مشتركٍ عن الحقيقة، بل بوصفهم جمهورًا يُغذّي نرجسيتهم ويمنحهم انتباهًا مؤقتًا.

المشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في ضعف الإصغاء أو في العجز عن السؤال، بل في غياب تربيةٍ حقيقيةٍ على السؤال نفسه. فالإصغاء الفضولي يفتح باب التعلّم ويولّد أسئلةً جديدةً، لكن ثقافة المنصات الرقمية عزّزت نمطًا من الخطاب يقوم على إعلان المواقف لا على اختبارها. يتحول الكلام إلى بيانٍ يقينيٍّ يخلو من الشك، وتُغلق أبواب الحوار قبل أن تُفتح. لا مجال للسؤال، ولا مساحة للشك البنّاء. وقد أعطت الأنظمة التعليمية الأولوية للإجابات، حتى باتت الآلات الذكية قادرةً على تقديمها بكفاءة، بينما يظل السؤال الجيد مهارةً إنسانيةً نادرة. لذلك يعتقد رويث أن المستقبل سيكافئ من يعرفون كيف يسألون.

أما عن تأثير الشاشات، فيرى أنه يجد صعوبةً في إجراء حوارٍ حقيقي عبرها، لأن المحادثة تبلغ ذروتها في الحضور المباشر، حيث تتداخل الإيماءات ونبرات الصوت وتعابير الوجه في تشكيل المعنى. الشاشة، رغم قدرتها على وصل البعيد، تظل وسيطًا يفصل بقدر ما يصل، وتخضع الرسالة لقواعدها السردية، فيصبح الإطار مؤثرًا في المضمون، وغالبًا ما يختزله ويُفقِره.

وتثير الرواية أيضًا سؤال العلاقة بين الفلسفة وكتب التنمية الذاتية. بطلة العمل، بوصفها أستاذةً للفلسفة، تنظر بعينٍ نقديةٍ إلى ما تعتبره تبسيطًا مُخلًّا لأفكار الفلاسفة الكبار. فبدل قراءة سينيكا أو شيشرون أو أبيقور أو ماركوس أوريليوس في سياقاتهم، تُقدَّم خلاصاتٌ سريعةٌ وشعاراتٌ مختزلةٌ تفقد روح النص الأصلي. ومع ذلك، تعود البطلة في لحظاتها الأخيرة إلى محاولة مخاطبة الناس بلغةٍ أقرب إلى حياتهم اليومية، في مفارقةٍ تُظهر توتر العلاقة بين الصرامة الأكاديمية والرغبة في التأثير الواسع.

في حديثه عن الصدق، يؤكد رويث أن من الصعب إقناع الناس نظريًا بفضيلته، لكن تجربة الكذب تكشف ثقلَه. فالكذبة عبءٌ مستمر؛ إذ تفرض على صاحبها أن يحافظ عليها خشية انكشافه. إنها سجنٌ زمنيّ، بينما الصدق – رغم كلفته – يحرّر صاحبه من ذلك العبء. أحيانًا لا يدرك الإنسان معنى الحرية إلا حين يختبر قيود الزيف.

ومن موقعه أستاذًا جامعيًا، يلاحظ رويث تقلّص الثروة اللغوية لدى الطلاب، بل في المجتمع عمومًا. فقد صارت الرسائل الإعلامية أكثر اختزالًا وأقرب إلى اللغة الإعلانية منها إلى اللغة التأملية، وتراجعت المفردات الدقيقة التي كانت تثري الكتب المدرسية. هذا التبسيط المفرط، وإن جاء بدعوى تسهيل الفهم، قد يُفضي إلى إفقارٍ إدراكي؛ إذ غالبًا ما ترتبط محدودية المفردات بضعف القدرة على التفكير المعقّد. كما أن الفوارق اللغوية بين الطبقات الاجتماعية قد تعمّق فجواتٍ قائمة، ما يستدعي مقاومةً تربويةً تُعيد الاعتبار لتعلّم اللغة وإتقانها بوصفه فعلًا يحفظ الكرامة الفكرية.

وحول هيمنة الترفيه على حساب المعرفة، يرى رويث أن المشكلة ليست في تفضيل المتعة على التعلّم، بل في ضعف الإرادة اللازمة لبذل الجهد الذي يتطلبه اكتساب المعرفة. فالناس بطبيعتهم لا يرغبون في الجهل، لكنهم يحتاجون إلى اختبار لذة الفهم بأنفسهم. وهنا يكمن التحدي التربوي الأكبر: توفير بيئةٍ ومنهجٍ وأدواتٍ تُمكّن الأجيال الجديدة من تذوّق متعة المعرفة، لا بوصفها واجبًا ثقيلًا، بل خبرةً مُرضيةً تُغني حياتهم وتوسّع أفقهم.

بهذا المعنى، لا تتحدث رواية "امرأة متعلّمة" عن مرضٍ فردي بقدر ما تُشخّص عِلّةً أوسع في طريقة عيشنا وتواصلنا وتعلّمنا. إنها دعوةٌ إلى استعادة الحوار، وإعادة الاعتبار للسؤال، والتمسك بثراء اللغة، والرهان على المعرفة بوصفها تجربةً تحرّر لا عبئًا إضافيًا في حياةٍ مثقلةٍ بالإجابات السريعة.



إقرأ المزيد