تقلُّبات الطاقة.. دروس من أوروبا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان من المفترض أن تُهيئ الحرب الأوكرانية ألمانيا لمثل هذه اللحظات التي ترتبك فيها إمدادات الطاقة. فقبل أربع سنوات، أدّت حرب أوكرانيا إلى إدخال إمدادات الطاقة في أوروبا في حالة من الفوضى، إذ ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 180%، وزادت تكاليف الطاقة على الأُسر بأكثر من الثلث.
واتفق السياسيون على ضرورة استخلاص الدروس المستفادة واتخاذ الخطوات اللازمة. لم يَعُد بإمكان ألمانيا الاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري المستورد من مناطق العالم المضطربة. 
أما جوهرة هذه الصحوة السياسية، فكانت قانوناً جديداً يُلزم بتوفير 65% من الوقود اللازم لوحدات التدفئة الجديدة من مصادر الطاقة المتجددة.
لكن هذا الشهر، تم إلغاء القانون - والمفارقة أنه حدث قبل أيام فقط من بدء الضربات الجوية على إيران. ربما لم يكن هذا القانون ليُحدث فرقاً كبيراً في خفض أسعار الطاقة خلال الأزمة الحالية، فهو ليس حلاً سريعاً. لكن إذا أرادت ألمانيا الخروج من دوّامة تقلّبات الطاقة على المدى الطويل، فهي بحاجة إلى قوانين من هذا النوع تحديداً.
ومن هنا، يصبح هذا المثال بمثابة درس يوضح لماذا، رغم حُسن النوايا، تتعثر الأفكار الكبيرة، ولماذا يُعد التخلي العالمي عن الوقود الأحفوري أمراً بالغ الصعوبة. فالتنقل من أزمة إلى أخرى لا يساعد، إذ تحاول أوروبا التعامل مع الركود الاقتصادي، وحرب أوكرانيا، والرسوم الجمركية، وحتى التهديدات الأميركية بغزو جرينلاند. كما يزيد الاستقطاب السياسي من تعقيد الوضع.
يبدو أن النتيجة هي فقدان القدرة على التفكير والتصرف على المدى البعيد. وقد نجحت بعض الدول، مثل النرويج، في تحقيق ذلك، وتظهر فوائد هذا النهج بوضوح في لحظات كهذه. فعلى سبيل المثال، نحو 100% من السيارات الجديدة المباعة في النرويج كهربائية.
التحدي أمام أوروبا هو كيفية الالتزام بعملية التجديد التي يتفق الجميع تقريباً على ضرورتها - في مجال الطاقة وغيره - في وقت تشعر فيه وكأنها على حافة الانهيار.
يقول «يان روزينو»، مدير برنامج الطاقة في معهد التغير البيئي بجامعة أكسفورد: «خلال الأزمات، تُطرح العديد من الأفكار الجريئة. وبعد انتهاء الأزمة، نعود إلى الوضع الطبيعي. بل والأسوأ أننا نتراجع». ويضيف: «نعرف كيف يبدو الحل الجيد، لكننا لا نعرف بعد كيف نطبّقه على نطاق واسع».
في الواقع، تتجلى دلائل هذا التقدم في كل مكان. ففي ألمانيا، يُستمد نحو 63% من الكهرباء من مصادر متجددة، مقارنة بـ 6% فقط عام 2000. كما أصبحت الصناعات أكثر قدرة على تحمُّل الأزمة الحالية، إذ تستهلك طاقة أقل بنسبة الخُمس لكل وحدة إنتاج مقارنة بالفترة بين 2016 و2019، بحسب مؤسسة ING المالية العالمية.
كما تشهد ألمانيا طفرات تكنولوجية ملحوظة. ففي قطاع الصناعات الكيميائية، الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، افتتحت شركة BASF مصنعاً في ألمانيا عام 2024 يعتمد كلياً على الطاقة المتجددة. وقد صرّحت BASF وشركاؤها في بيان: «يُعدّ هذا المشروع المشترك المتميز دليلاً قاطعاً على قدرتنا على تطوير تقنيات رائدة معا».
من الناحية العملية، نوّعت ألمانيا مصادرها للوقود الأحفوري بشكل ملحوظ منذ عام 2022، حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، ما قلّل اعتمادها على أي مصدر واحد. وقد ساعد ذلك في تخفيف صدمة الأزمة الحالية، التي رفعت أسعار الطاقة بشكل ملحوظ. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر الديزل بنحو 0.30 يورو ليصل إلى حوالي 2.15 يورو للتر.
ومع ذلك، لم يتغير وضع الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل كبير. فالكهرباء لا تمثّل سوى 20% من استهلاك الطاقة، بينما يمثّل النقل والتدفئة 80%، «ولم نبذل جهداً يُذكر في هذا الجانب»، كما يقول روزينو. ولهذا السبب، اعتُبر قانون التدفئة الألماني ذا أهمية بالغة. ولكن مع استمرار ارتفاع تكاليف التدفئة، شعرت الحكومة الحالية بضغط لتخفيف القيود. «أصبح للمواطنين مجدداً حرية اختيار كيفية تدفئة منازلهم»، كما صرّح «ينس شباهن»، أحد الشخصيات البارزة في الائتلاف الحكومي.
هذا جزء من التحدي. فالمنطق وراء مصادر الطاقة المتجددة واضح، لكن التحولات مكلّفة. يقول «كارستن برزيسكي»، الخبير الاقتصادي في بنك آي إن جي: «إن ارتفاع أسعار الوقود حجة قوية لتسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة. لكن المسألة تتعلق بالمال. مَنْ يتحمل عبء الاستثمار؟» وتلعب السياسة دوراً آخر، إذ أصبحت سياسات الطاقة متشابكة مع الجدل الثقافي حول التغير المناخي.
يقول روزينو: «أسباب التأخير ليست تقنية أو اقتصادية، بل ثقافية بدرجة أكبر. تسييس القضية لا يساعدنا، بل يجعل اتخاذ قرارات عقلانية أكثر صعوبة».
مع ذلك، وضعت بعض الدول خِططاً طويلة الأجل وحافظت عليها بمعزل نسبياً عن السياسة. غيّرت النرويج مسارها بعد أزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي. فبالإضافة إلى بناء أسطولها من السيارات الكهربائية، حظرت أيضاً تركيب أنظمة التدفئة التي تعمل بالوقود الأحفوري، ونتيجةً لذلك، تُعدّ أسعار الطاقة المنزلية في النرويج من بين الأدنى في أوروبا. ففي مايو الماضي، على سبيل المثال، دفع النرويجيون 15.77 يورو لكل كيلوواط ساعة من الكهرباء، مقارنةً بـ 35.23 يورو في ألمانيا، وفقاً لتقرير صادر عن يوروستات.
وقد ساعدت عائدات النفط النرويجية في تمويل هذا التحول، لكن دولاً إسكندنافية أخرى تفتقر إلى هذه الميزة سلكت مساراً مشابهاً، وحققت نتائج مماثلة. وفي بعض الحالات، استغرق تنفيذ هذه الخطط 50 عاماً.
يدرك الخبير الاقتصادي «برزيسكي» الضغوط التي تواجه أوروبا. لكن الاحتياجات لا تزال قائمة، وتزداد أهميتها مع الأزمة الإيرانية.
ويقول: «لا تزال هناك حاجة إلى استراتيجية. فالمؤسسات السياسية والصناعية لا تزال تعيش في حالة إنكار. يدركون، فكرياً، ضرورة التغيير، لكن ذلك يتطلب تكلفة اقتصادية في المقام الأول».

*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
 



إقرأ المزيد