حماية الصحة العامة أولوية قصوى
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الصحي العالمي، يبرز مشروع القانون الاتحادي لسنة 2026 بشأن مكافحة الأمراض السارية في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي أقرّه المجلس الوطني الاتحادي خلال جلسته السادسة من دور انعقاده العادي الثالث للفصل التشريعي الثامن عشر، بوصفه خطوة استراتيجية متقدمة تعزز جاهزية الإمارات للتعامل مع التحديات الصحية. 
ويمثل القانون الجديد ركيزة أساسية ضمن منظومة الأمن الصحي، وأداة استباقية فعّالة لإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة القطاع الصحي ويرسخ نهج الوقاية والاستجابة المتكاملة، وترتكز أحكامه على ثلاث دعائم رئيسية، تتمثل أولها في تعزيز قدرات الوقاية والاستجابة، عبر تمكين المنشآت الصحية ومزاولي المهن الطبية من أداء دور أكثر فاعلية في رصد الأمراض السارية والتعامل معها بكفاءة عالية. وتتمثل الدعامة الثانية في تنظيم آليات الإبلاغ والتقصي الوبائي، بما يضمن تدفق المعلومات بدقة وسرعة بين الجهات المختصة. أما الدعامة الثالثة، فتنصرف إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، بما يعزز مكانةَ الدولة ضمن المنظومة الصحية العالمية، ويكرّس التزامها الراسخ بأفضل الممارسات المعتمدة في هذا المجال الحيوي.
ويكتسب هذا التوجه التشريعي بُعداً إضافياً عندما يأتي في إطار أوسع مرتبط برؤية «نحن الإمارات 2031»، حيث تُعد صحة الإنسان محوراً مركزياً في سياسات التنمية المستدامة، ما يعكس إدراكاً عميقاً للعلاقة العضوية بين الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويجسد حقيقةَ أن القطاع الصحي لم يعد مجرد قطاع خدمي تقليدي، بل أصبح رافعة أساسية لتعزيز جودة الحياة، ودعم الابتكار والتطوير في مختلف مجالات الرعاية والخدمات الصحية.
ويمكن النظر إلى القانون الجديد بوصفه أداةً لإعادة هندسة منظومة التنسيق المؤسسي، من خلال تكامل الأدوار بين الجهات الصحية والرقابية. فالتحدي في إدارة الأمراض السارية لا يكمن فقط في توفر الموارد، بل في كفاءة توظيفها ضمن شبكة مترابطة من الجهات القادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. وبالتالي، فإن وضوح الإجراءات المتعلقة بالإبلاغ والتقصي الوبائي يسهم في تقليص فجوات الاستجابة، ويحد من تضارب الاختصاصات.
ومما لا شك فيه أن هذا القانون يأتي متسقاً مع التحديات الواقعية والسيناريوهات المستقبلية، ليؤكد أن العملية التشريعية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منظومة التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، التي تهدف إلى تعزيز الجاهزية الوطنية، ومواكبة مختلف التحديات المستقبلية، وتطوير قدرات الاستجابة بشكل استباقي، بدلاً من الاقتصار على التعامل مع الأزمات بردود فعل آنية محدودة.
ومن المتوقع أن يسهم القانون الجديد بشكل فاعل في تعزيز قدرة الإمارات على التعامل مع التهديدات الصحية الناشئة، سواء كانت أوبئة تقليدية أو مخاطر بيولوجية حديثة، ترتبط بعوامل متعددة، مثل التغير المناخي، كما من شأنه دعم تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة للرصد الصحي، تعتمد على تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي للتنبؤ المبكر، وتحسين اتخاذ القرار المبني على المعلومات الدقيقة، بما يعزز الاستجابة الفعالة ويقلل من المخاطر المحتملة على المجتمع والصحة العامة.
ولا شك في أن إدراج القانون ضمن مناقشة أوسع لسياسات التأمين الصحي يفتح المجال أمام قراءة تكاملية للمنظومة الصحية، حيث يشكل التأمين أحد أدوات تعزيز الاستدامة المالية، كما يضمن الوصول العادل إلى الخدمات الصحية، الأمر الذي يجعل التلاقي بين التشريع الوقائي وآليات التمويل الصحي خطوة ضرورية نحو بناء نموذج متكامل يوازن بين الكفاءة والعدالة.
إن إقرار مشروع قانون مكافحة الأمراض السارية يشكّل خطوة استراتيجية محورية نحو ترسيخ نموذج متقدم لإدارة الصحة العامة، قائم على الاستباقية، والتكامل المؤسسي، والمواءمة الدقيقة مع أفضل الممارسات والمعايير العالمية.

ويؤكد القانون الجديد أن الإمارات لم تعد تكتفي بحماية مجتمعها داخلياً، بل أصبحت لاعباً مؤثراً وموثوقاً به على الساحة الدولية، يشارك بفاعلية في جهود مواجهة التحديات الصحية العابرة للحدود، ويعزز مكانتها كقدوة نموذجية في التوازن بين التنمية المستدامة، وجودة الحياة، والجاهزية المستقبلية.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 

 



إقرأ المزيد