جريدة الإتحاد - 3/28/2026 11:47:38 PM - GMT (+4 )
يبدو أن التفكك العالمي قد بدأ بالفعل. يُعدّ التحوّل المذهل في السياسة الخارجية والاقتصادية الأميركية سبباً رئيسياً، لكن الصورة ليست بهذه البساطة، إذ تتضمن العديد من العوامل الأخرى. كيف يُمكن فهم هذا الاضطراب المتفشي؟ وإلى أين ستقود هذه القوى المتغيرة العالم؟
للحصول على تقييم قاتم ومقنع، يُنصح بقراءة كتاب «حلقة الهلاك» لـ «إيسوار براساد». يستند المؤلف، وهو أستاذ في جامعة كورنيل وخبير اقتصادي دولي بارز، إلى سنوات من البحث والخبرة، بما في ذلك عمله كمسؤول رفيع المستوى في صندوق النقد الدولي. هذه الخلفية تجعل تشاؤمه المدروس ذا مصداقية بالغة. لا يقول براساد، إن الوضع ميؤوس منه، بل يُقدّم بعض الحلول، والتي سنتناولها لاحقاً. لكن من المستحيل قراءة كتابه دون الشعور بالقلق.
يُحلّل براساد النكسات الأخيرة للعولمة بدقة ووضوح. لكن الأمر الأكثر حداثة وإثارة للقلق هو تحليله للاضطراب الاقتصادي العالمي باعتباره مُستداماً ذاتياً: فالقوى التي كان يُتوقع منها استعادة الاستقرار لا تعمل. في النماذج الاقتصادية، غالباً ما تكون الاضطرابات ذاتية التصحيح (ينخفض العرض، وترتفع الأسعار)، وقد اعتاد الاقتصاديون على توقع آلية من هذا القبيل. ووفقاً لبراساد، فقد قلبت الاضطرابات الأخيرة هذه القوى المتوازنة رأساً على عقب، مما أدى إلى خلق ضغوط تُفاقم الاضطراب.
إذا كان الأمر كذلك، فإن الانهيار الكبير ما زال في بدايته.
يتوقع الليبراليون الكلاسيكيون أن يشكل التكامل الاقتصادي والاستقرار السياسي الداخلي والعلاقات الدولية الودية دائرة فاضلة. فالتجارة ترفع مستويات المعيشة، والازدهار المتزايد يخفف من حدة التنافسات السياسية ويحد من الاستقطاب، والتجارة عبر الحدود تخلق مصالح مشتركة وتخفف من حدة التوترات الجيوسياسية، وبالتالي يخطو التكامل التجاري والاقتصادي خطوة أخرى إلى الأمام. لكن من الممكن أيضاً ظهور دائرة مفرغة معاكسة- حلقة هلاك. فالتجارة تفيد معظم الناس لكنها تضر بالبعض، مما يوسع فجوة عدم المساواة، وتؤدي هذه الفجوة إلى تأجيج التوترات، فترفع الحكومات الحواجز التجارية، مما يزيد التوترات الجيوسياسية، فتتراجع التجارة، ويتباطأ النمو، وتتفاقم عدم المساواة.
رغم تعاطفه مع الرؤية الليبرالية الكلاسيكية، يشرح براساد كيف أصبحت هذه الحلقة سامة. فقد شهدت العولمة فترة ازدهار جيدة لعقود حتى مطلع القرن.
لكن بعد ذلك، أحدثت «صدمة الصين» - أي تدفق الواردات الصناعية الرخيصة - اضطراباً في حياة العديد من العمال في الولايات المتحدة وغيرها. ثم جاءت الأزمة المالية العالمية 2007-2009 لتقوض الثقة في السياسات المؤيدة للأسواق. وأدت جائحة كوفيد إلى زيادة عدم الثقة في الحكومات وخبرائها. كما كشفت الحرب الروسية- الأوكرانية هشاشة الاقتصادات أمام المخاطر الجيوسياسية. كل هذه الأحداث سلطت الضوء على مخاطر الإفراط في التكامل عبر الحدود - ودفعت الحكومات والشركات إلى التركيز على «المرونة».
ورغم هذه السلسلة من الكوارث، ربما كان من المتوقع أن تسعى الحكومات إلى الحد من المخاطر عبر مزيد من التعاون لا التفكك. فلماذا لم يحدث ذلك؟ يرى براساد أن العامل الحاسم هو تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.
يكاد يكون مصير البلدين أن يكونا متنافسين على النفوذ بين القوى العظمى- لكن هذا التنافس يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة. فالمنافسة التجارية، على سبيل المثال، يمكن أن تكون مفيدة للطرفين، وبالتالي تمثل نوعاً من التعاون.
أما التنافس الجيوسياسي فهو لعبة محصلتها صفر: مكسب طرف يعني خسارة الآخر. الجديد هو أن الولايات المتحدة والصين باتتا تنظران إلى علاقتهما التجارية على أنها جزء لا يتجزأ من صراع القوة الجيوسياسي. لم تعدا تؤمنان بأن التجارة تحقق منفعة متبادلة. «وبالتالي»، يقول، «لم تعد القوى الاقتصادية تشكل توازناً مع التنافس الجيوسياسي بطبيعته». وقد أدى هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة إلى دفع دول أخرى لإعادة تقييم تكاليف وفوائد التكامل الاقتصادي.
صدمات التجارة- حسب براساد- أضعفت الدعم للتكامل الاقتصادي وعززت «السياسات القائمة على الاستياء».
وربما هذا صحيح إلى حد ما. لكن الأدق هو أن السياسيين استغلوا هذه الاضطرابات لخدمة أجنداتهم الخاصة، أكثر من كونهم يستجيبون لمطالب الناخبين. ولا يزال الدعم للتجارة الحرة قوياً في الولايات المتحدة. فوفقاً لاستطلاع حديث، يرى 80% من الأميركيين أن التجارة تفيد بلادهم، بينما أقل من 20% يعتقدون أنها تفيد الآخرين أكثر، ونحو نصفهم يفضلون عدم فرض قيود على التجارة. يدرك معظم الناخبين أن الرسوم الجمركية تخفض مستوى معيشتهم.
من ناحية أخرى، تُعد سياسة الاستياء حاسمة بالفعل، لكن في رأيي، فإن هذا العامل المُسبب للاضطراب لا يتغذى على التجارة أو القلق بشأن عدم المساواة الاقتصادية بقدر ما يتغذى على الانقسامات الثقافية والمكانية، وهي عوامل يتجاهلها براساد. أدى صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا إلى ملء الفراغ الذي تركه الوسطيون والتقدميون الذين أعطوا الأولوية للتعددية الثقافية والهوية على التضامن الوطني والسيادة والمواطنة. تحتاج الديمقراطيات الليبرالية السليمة إلى الحفاظ على توازن هذه العناصر جميعها، وإلا فإنها ستواجه خطر الانقسام الاجتماعي والعجز السياسي، كما هو الحال الآن.
أما توصيات براساد فهي بلا شك صحيحة. إذ يدعو الحكومات إلى إعادة بناء المؤسسات الوطنية والدولية لتعزيز المساءلة والمنافسة القائمة على القواعد، بدلاً من التنافس الصفري. فالعودة إلى الاستقرار ممكنة، بشرط وجود «قادة جريئين ذوي مبادئ ومواطنين فاعلين». هذا صحيح تماماً. لكن في الوقت الراهن، يبدو هذا الاحتمال بعيداً للغاية، لدرجة أنه يكاد يكون دعوة لليأس. وكما يقول براساد في ختام كتابه: «الحل واضح، لكن الطريق إليه ليس كذلك».
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


