السودان بين «الإخوان» وإيران.. حين تفقد الدولة سيادتها
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست قوّة الدولة في قدرتها على احتواء التنظيمات، بل في قدرتها على ألا تتحول هي إلى وعاء لها. هنا يتحدد الفارق الحقيقي بين الدول: بين دولة تُبقي القرار في مؤسساتها مهما اتسع نفوذ التنظيمات داخلها، ودولة يُعاد تعريفها من الداخل حتى تصبح قاعدة نفوذ أو ساحة وكالة، أو مجرد اسم لا يعكس من يملك القرار.

هذا التحول لا يحدث بإعلان أو بانقلاب واحد، بل عبر مسار تراكمي تنتقل فيه السلطة من مؤسسات الدولة إلى شبكات موازية تعمل داخلها وتتغذى عليها، حتى تصبح الدولة غلافاً قانونياً لمشروع لا علاقة له بالفرد العادي. وعند هذه النقطة لا تعود الدولة مختطفة فقط، بل يُعاد تعريفها من الداخل: من كيان يخدم المجتمع إلى أداة تخدم مشروعاً. وهذا هو المعنى الأدق لما يمكن تسميته «خصخصة الدولة أيديولوجيّاً».

السودان عرف هذا المسار مبكراً. انقلاب عام 1989 لم يكن انتقالاً سياسياً، بل لحظة أعادت تعريف الدولة نفسها. فالإسلام السياسي بقيادة جماعة «الإخوان» لم يعد تياراً يسعى إلى الحكم، بل أصبح جزءاً من بنية السلطة. والفارق هنا حاسم: التنظيم الذي يصل إلى الحكم يمكن احتواؤه داخل الدولة، أما التنظيم الذي يصبح هو الدولة، فإنه يُعيد كتابة قواعدها وفق منطقه. عند هذه اللحظة، تغيّر موقع السودان في الحسابات الإقليمية. لم يَعُد يُنظر إليه كدولة ذات سيادة مكتملة، بل كمساحة يمكن النفاذ منها. فإيران لا تبحث عن تطابق عقائدي بقدر ما تبحث عن جغرافيا قابلة للاستخدام.

والسودان، عند تقاطع العالم العربي وأفريقيا وعلى شاطئ البحر الأحمر، أصبح نقطة ارتكاز في معادلة نفوذ أوسع. في التسعينيات نشأ «التحالف الوظيفي»: تنظيم يفتح الدولة من الداخل، ومشروع إقليمي يدخل منها. وفي هذا النمط، لا تكون الدولة شريكاً، بل ممرّاً. في هذا النوع من التحالفات، لا تُدار الدولة، بل يُعاد توظيفها. ثم بدا، لاحقاً، وكأن هذا المسار قد توقف. الضغوط الاقتصادية ومتطلبات البراغماتية دفعت الخرطوم إلى الابتعاد عن طهران، وبلغت القطيعة ذروتها عام 2016.

غير أن القطيعة الدبلوماسية لا تعني تفكك الشبكات التي بُنيت خلال عقود، لأن الشبكات الأيديولوجية لا تختفي بقرار سياسي، بل تبقى كامنة في طبقات أعمق من النفوذ. ومع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، عادت هذه الطبقات إلى السطح. فحين تنهار الدولة، لا يظهر الفراغ، بل تظهر القوى التي كانت تنتظره. وهنا عاد التيار الإسلامي الذي أُطيح به بعد انتفاضه عام 2019، لا عبر السياسة أو الشرعية، بل عبر الوهن الذي أصاب الدولة.

وفي الثامن من مارس 2026، تحوّل هذا التشخيص إلى توصيف قانوني دولي، حين أُدرج تنظيم «الإخوان» في السودان، بما في ذلك الحركة الإسلامية السودانية و«كتيبة البراء بن مالك»، ضمن قوائم الإرهاب الأجنبية. وعندما يلتقي تنظيم مصنَّف إرهابياً مع مشروع إقليمي داخل دولة تعاني حرباً وانقساماً عميقاً، فإن ما يتشكل لا يكون تحالفاً سياسياً عادياً، بل نمط َحكمٍ موازياً تُدار فيه الدولة عبر شبكات نفوذ عابرة للحدود. آخر التقارير الدولية لم تتعامل مع استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية كتفصيل عسكري، بل كدليل على أن المشروع الإيراني يتحرك عبر الفوضى. وإعلان الأمم المتحدة مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين إثر استهداف مستشفى في شرق دارفور، لا يُقرأ كحادثة معزولة، بل كمؤشر على انتقال الصراع من مواجهة داخلية إلى ساحة تُدار بأدوات تتجاوز الدولة.

ومن هنا تُفهم التحذيرات الإقليمية، وعلى رأسها تحذيرات دولة الإمارات، لا كموقف سياسي، بل كقراءة استراتيجية مبكرة لطبيعة الخطر. ولهذا، فإن التحذير الإماراتي لا يقرأ ما يجري في السودان فحسب، بل يكشف نمطاً يتكرر: دول تُفتح من داخلها، وتُدار من خارجها. ومن يلتقط هذا النمط مبكراً لا يعبّر عن موقف، بل يطلق إنذاراً استراتيجياً.

*كاتب وباحث إماراتي
 



إقرأ المزيد