جريدة الإتحاد - 4/1/2026 10:37:13 PM - GMT (+4 )
في عالمٍ أصبحت فيه بعض المنصات الإعلامية أقرب إلى ساحات صراع منها إلى مساحات حوار، تأتي أحياناً لحظات نادرة تعيد التوازن وتُعيد تعريف قيمة الكلمة، وهذه المقابلة كانت واحدة من تلك اللحظات التي لا تمرّ مرور الكرام، بل تترك أثراً عميقاً في وعي كل من تابعها. لم تكن مجرد مواجهة إعلامية عابرة، بل كانت اختباراً حقيقياً بين مَنْ يمتلك أدوات العِلم والفهم، ومَن يتحرك بدوافع مسبقة ونبرة يغلب عليها الانفعال أكثر من الموضوعية.
في هذه المقابلة، برز الدكتور عبدالخالق عبدالله بصورة تليق باسمه ومكانته، لا كمجرد ضيف يدافع عن بلده، بل كمفكر سياسي وأكاديمي يقدّم درساً حياً في كيفية إدارة الحوار تحت الضغط. بصراحة، قد لا يعرفه البعض على المستوى الشخصي، لكنه بالفعل أشهر من نار على عَلَم، والاستماع إليه في هذا اللقاء كان كفيلاً بأن يضع المستمع أمام مدرسة متكاملة في الفهم السياسي والطرح المتزن.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الحوار لم يُبنَ على أرضية متوازنة، بل انطلق من فرضيات جاهزة، وأسئلة تحمل في طياتها اتهاماً أكثر من كونها استفساراً، في محاولة واضحة لتقديم صورة مشوَّهة عن دولة الإمارات. هذا الأسلوب، الذي تبنّته الدكتورة رباب المهدي، لم يكن خافياً على أحد، بل كشف عن نبرة عدائية واضحة، وتبنٍ لخطاب يحمل الكثير من التحيز والأفكار التي تتقاطع مع توجهات معروفة بعدائها لدول الخليج، والإمارات تحديداً.
لكن ما أبهرني حقيقة، هو طريقة تعامل الدكتور عبدالخالق مع هذا الطرح. لم ينفعل، لم ينجرف، لم يحاول أن يرفع صوته، بل فعل العكس تماماً. كان هادئاً، واثقاً، مسيطراً على أدواته، يعيد توجيه الحوار كلما انحرف، ويفكك الطرح دون أن يقع في فخ الشّخصنة. كانت ردوده درساً حقيقياً في العلوم السياسية، ليس فقط في مضمونها، بل في أسلوبها، حيث استطاع أن يحوّل الهجوم إلى فرصة لعرض رؤية متكاملة، تستند إلى المعرفة والتحليل العميق.
أما عن الإمارات، فقد جاء الحديث عنها كما يجب أن يكون، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من الواقع، دولة اختارت أن تبني، أن تستثمر في الإنسان، أن تكون عنصر استقرار في محيط مضطرب، وأن تمدّ يدها للجميع دون تمييز. هذه ليست دعاية، بل واقعاً يراه العالم، ويعترف به حتى مَن يحاول إنكاره.
وهنا تظهر المفارقة التي تختصر المشهد بالكامل. فبعد هذه المقابلة مباشرة، وفي لقاء لاحق ضمن نفس البرنامج مع ضيف آخر، طُرح سؤال لافت: كيف يمكن أن نصبح مثل دبي؟ سؤال يكشف ما وراءه، ويعكس اعترافاً ضمنياً بحجم النجاح الذي وصلت إليه الإمارات. وجاء الجواب مختصراً وصادماً في آنٍ واحد: «في الأحلام فقط». عند هذه اللحظة، تتضح الصورة أكثر… ليس نقداً بقدر ما هو غِيرة، وليس تحليلاً بقدر ما هو موقف مسبق مغلّف بلغة إعلامية.
الإمارات اليوم نموذج عربي ناجح، وهذه الحقيقة تجعلها دائماً تحت المجهر، وكما يقول المثل تُقذف الشجرة المثمرة بالحجارة. لكن ما يميز هذا النموذج أنه لم ينشغل يوماً بالرد على الضجيج، بل استمر في البناء بثقة وثبات.
أما أنت يا دكتور عبدالخالق، فأرفع لك القبعة. والله لم أحسدك على هذه المقابلة… أنت كنت تحت النار، وأنا كنت أغلي وأنا أشاهد. لكنك أثبت أن الهدوء قوة، وأن المعرفة سلاح، وأن مَنْ يملك الحجة لا يحتاج إلى الصراخ.
وعمار يا دار زايد، حفظك الله من الحاسدين والحاقدين، ودام عزك بما صنعتِه من مجد، وبما قدمته من نموذج يُحتذى به في عالم يبحث عن الاستقرار والنجاح.
* لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


