الذكاء الاصطناعي وحماية الهوية الرقمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لطالما كان العصر الرقمي بمثابة موازنة دقيقة بين متعة كل ما هو جديد وقوة ضمانات حماية الجمهور. طوال مسيرتي المهنية، رأيتُ أن أكثر الأدوات تأثيراً هي تلك التي تعيد السلطةَ إلى أيدي الناس.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي التوليدي من كونه فكرة مستقبلية إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، يجد الجمهورُ نفسَه أمام مفترق طرق. يجب أن تتضافر جهودُ التكنولوجيا والسياسات لحماية ما هو أكثر تميزاً لكل فرد: هويته.
 في يوتيوب، نؤمن (أنا وزملائي) بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول يعتمد على منح الناس السيطرةَ على صورهم وهوياتهم. فعلى مدار ما يقرب من 20 عاماً، مكّن نظام Content ID في يوتيوب المبدعين مِن إدارة حقوق الطبع والنشر الخاصة بهم. ومن خلال فحص مقاطع الفيديو ومقارنتها بقاعدة بيانات للأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر، تمنح هذه التقنية أصحابَ الحقوق القدرةَ على حظر التحميلات غير المصرح بها تلقائياً أو تحقيق الربح من مقاطع الفيديو التي تَستخدم أعمالَهم مع الحفاظ على المحتوى متاحاً للمجتمع.

ويطبق يوتيوب الآن هذه الفلسفة نفسَها على عصر الذكاء الاصطناعي.
 وفي وقت سابق من الشهر المنصرم، وسّع يوتيوب نطاقَ استخدام تقنية كشف التزييف العميق لمجموعة تجريبية من الأشخاص الذين تُعدّ أصواتُهم ضرورية لمجتمع صحي: المسؤولون المنتخبون، والسياسيون، والصحفيون. ففي عالمٍ يُمكن فيه للمحتوى المُصنّع أن يُحاكي وجهَ الشخص، فإنّ حماية نزاهة الحوار العام ليست مجرد هدف لمنصة تقنية، بل هي ضرورة للديمقراطية. وتوفر هذه الأداة خط دفاع مهماً، إذ تتيح للأفراد التعرفَ على النسخ المزيفة التي ينشئها الذكاءُ الاصطناعي من دون إذنهم، وطلب إزالتها من يوتيوب.

وبالطبع، لا توجد أداةٌ واحدةٌ كفيلة بحل كل شيء. فهناك دائماً مَن يسعى للتحايل على الأنظمة، مما يستدعي الابتكارَ المستمر لضمان أن تظل وسائل الحماية متقدمة على التهديدات.
في السابق، كان عبء اكتشاف التزييف العميق (Deepfake) يقع إلى حد كبير على الأفراد عبر طلبات خصوصية يدوية، وهي عملية لم تعد قابلةً للاستمرار مع تزايد حجم المحتوى الاصطناعي. ولمواجهة هذا التحدي، نطبّق القوةَ الآليةَ نفسَها المستخدمةَ في حماية حقوق النشر لاكتشاف المحتوى المزيف قبل انتشاره على نطاق واسع، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حرية التعبير مثل السخرية والمحاكاة الساخرة.
لكن الابتكار الذي تقوده الشركاتُ ليس سوى جزء من الحل، إذ لا ينبغي أن يكون الشخص محمياً على منصة واحدة ومعرضاً للخطر على أخرى. فحماية الأفراد بشكل حقيقي تتطلب إطاراً قانونياً موحداً يتجاوز حدودَ أي تطبيق.
 وتُعد حقوقُ الصورة والهوية حالياً مزيجاً معقداً من القوانين على مستوى الولايات الأميركية، مما يُجبر الأفراد على خوض متاهة قانونية تتغير بتغير حدود الولايات. وينبع هذا من ثغرة جوهرية في النظام الفيدرالي الأميركي: فبينما يحمي القانون الفيدرالي الممتلكات المادية والرقمية للأفراد، لا يحمي صورَهم وأصواتَهم.
 ولهذا السبب تعاون يوتيوب مع الكونجرس الأميركي بشأن قانون «لا للفيديوهات المزيفة»، الذي يتماشى مع دعوة البيت الأبيض إلى وضع معيار فيدرالي لحماية الأفراد من انتحال الشخصية الرقمي. وسيُنشئ هذا التشريع حقاً فيدرالياً فريداً مِن نوعه في ملكية الصوت والصورة الشخصية، مما يجعل استضافةَ نسخ الذكاء الاصطناعي غير المصرح بها أمراً غير قانوني.
والأهم من ذلك، أن مشروع القانون سيفرض معياراً صارماً يُلزم المستخدمين بالإبلاغ عن أي انتهاك. وهذا يعني أنه بمجرد قيام أي منصة بإزالة صورة مزيفة غير مصرح بها، يجب عليها اتخاذ خطوات لضمان عدم إعادة تحميل المحتوى. إن تطبيق هذه المعايير من خلال القانون الفيدرالي يُقر بحقيقة عالمية: لكل شخص الحق في تحديد كيفية استخدام صورته الرقمية، والقدرة على التحرك بسرعة عند استخدامها من دون إذن.
ونُشيد بالقادة من الحزبين الذين قدَّموا هذا التشريعَ، بمن فيهم السيناتورات كريس كونز (ديمقراطي - ديلاوير)، ومارشا بلاكبيرن (جمهوريةٌ - تينيسي)، وإيمي كلوبوشار (ديمقراطية - مينيسوتا)، وتوم تيليس (جمهوري - كارولاينا الشمالية)، إلى جانب النائبات ماريا إلفيرا سالازار (جمهورية - فلوريدا)، ومادلين دين (ديمقراطية - بنسلفانيا)، وغيرهم الكثير. إنهم يُدركون أن حماية صورة الشخص ليست قضيةً حزبيةً، بل هي تطور ضروري للضوابط القانونية في القرن الحادي والعشرين.
ومن خلال إقرار قانون «لا للصور المزيفة»، يُمكن للكونجرس وضع نموذج يُحتذى به في العصر الحديث. وبإمكان لجنة الشؤون القضائية في مجلس الشيوخ إطلاق هذه العملية من خلال طرح مشروع القانون للتصويت.
يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي شريكاً للإبداع البشري، لا بديلاً عنه. وبوجود إطار سياسي سليم، تستطيع الولاياتُ المتحدة دعمَ الابتكارات الرقمية التي تُمكّن الأفراد من التحكم في هوياتهم. وبينما وفّرت التكنولوجيا الأدوات اللازمة لعصر جديد من الابتكار، ينبغي الآن وضع معيار قانوني واضح يضمن بقاء الأفراد بوصفهم بُناة مستقبلهم الرقمي.

*نائبة رئيس الشؤون الحكومية والسياسات العامة في يوتيوب
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد