جريدة الإتحاد - 4/2/2026 11:47:21 PM - GMT (+4 )
ارتبط الحلم قديماً بالأضغاث في صور يراها النّائم، وقد اختلط بعضها ببعض في سردية لا معنى لها ولا تأويل، كما ارتبط أيضاً بالرؤية التي يستشرف تحققها، لكن الذي جعل الحلم موضوعاً علمياً هو سيغموند فرويد، وكانت خلاصة أبحاثه أن الحلم هو تحقيق لرغبة مكبوتة، وكتب في ذلك، في بداية القرن العشرين، كتاباً مُهماً سمّاه «تفسير الأحلام» يفك فيه شفرات الأحلام، ويرشد إلى الطريق الملكي لفهمها سبراً لشخصية المريض، وتلمساً لفهم أعطابها وفكّ عقدها.
كانت للأحلام دائماً أهمية كبرى في حياة الإنسان، حتى إن القرآن الكريم سمى النّبي بـ«الرّائي»، يعضد ذلك أن رؤى الأنبياء كانت استشرافاً لأحداث وقعت، كما رأوها مناماً، يذكر القرآن الكريم رؤية إبراهيم ورؤية يوسف، ويذكر التوراة رؤية يعقوب، وهي رؤى كان تأويلها واقعياً وحقيقياً، مما جعل البعض يختصّ في تعبير الرؤيا، ومن أشهرهم، عند المسلمين، ابن سيرين، الذي اشتهر بكتابه «تفسير الأحلام» الذي لا يزال يحظى بعناية كثير ممن يتعاطى التعبير في زماننا هذا.
إن الأحلام ليست دوماً أضغاثاً، وليس دوماً تحقيقاً لرغبات مكبوتة، بل هي أيضاً وحي لمستقبل آت لا ريب فيه، فقد تحقّقت أحلام رآها النّائمون كما تحقّقت أحلام بلورها العالمون، وتخيّلها رجال السياسة.
كانت هذه المقدّمة مدخلاً لحديث يروم بيان أهمية الحلم في حياة الإنسان فرداً كان أم كياناً اجتماعياً، فهو الفضاء الذي قد يُفْزع إليه من واقع ضامر لاستشراف مستقبل أفضل، وكثير من الأحلام في هذا المضمار تحقّقت.
ولنا في العالِم الفلكي عباس بن فرناس نموذجاً لحالم كان يرى نفسه مُحلقاً مع الطيور، ورغم أن تجربته لم تؤل إلى النّجاح، فقد ظلّ اسمه مرتبطا بالطّيران حتّى سُمّي بـ«رائد الطيران العربي الأول»، ونماذجُ العلماء الذين بدأت اكتشافاتهم العلمية خيالاً وحلماً لتنتهي واقعاً ملموساً مشاراً إليه، تعجُّ بهم كتبُ تاريخ العلم.
لكن، لعلّ الحلم الذي يتبادر إلى الذهن اليوم أكثر هو حلم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي جعل بقوة رؤيته الصّحراء مدناً تنافس أرقى مدن العالم، وجعل بنصاعة حلمه أبناءه وحفدته من كل الإماراتيين شخصياتٍ طموحة، تطير بجناحي العلم والإيمان إلى فضاءات عزَّ التحليق إليها من قبل، وكان التّفكير في ارتيادها حلماً بعيد المنال.
من طبيعة الرّائين أنهم يكونون في الحلم «أطمع من شعيب»، لأن الأحلام الصّادقة التي تبلورها الأذهان الصّافية، وتعضدها الهمم العالية، والتي تثابر عليها الإرادات المتتابعة، يوما ما، لا محالة تتحقق، كما تحققت رؤى الشيخ زايد رحمة الله عليه، في بلاده الإمارات، سنّةٌ كونية في الذين خلوا من قبل، وسنة باقية نتفيّأ تأويلها بالتّعبير، ونلحظ تحققها بالأقاويل.
تنبهنا إلى ذلك، في هذه الأيام، كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وهو يرى مستقبل دولته بعين الرّائي الحالم الواثق بتحقّق رؤياه لبلد لا يكفُّ عن الارتقاء في معارج التقدّم، لا تضيره خطوبٌ عارضة، ولا تقلقه سحبٌ جاثية، بلد يصبح أقوى بعد كل مُلمّة، بلد يعاود الإسراع إلى أهدافه المرسومة سلفاً بعد كلّ خطى كانت من قبل وئيدة.
إنّه الحلم المتجدّد لقائد البلاد، الحلمُ الذي لا ينضب معناه، ولا تكفّ دلالاته عن الجريان إلى مصبّها في نهر رقراق لا ينزل فيه المرء مرتين. فالحالم الرّائي يرى دائماً القادم أجمل، وهو شعار طموح لمنصة «عيال زايد» على منصّة «إكس»، ليس فقط لنقل الصّورة الحقيقية لإنجازات الإمارات، وتوثيق واقع رائع، بل أيضاً لاستشراف مستقبل بلد يتجدّد بتجدّد أحلام شيوخه الكرام.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


