الحروب.. واقتصاد الظل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا تقاس الحروب الحديثة بما يظهر على الشاشات من ضربات وتصريحات، بل بما يعاد تشكيله في العمق من توازنات اقتصادية ونفوذ سياسي. الصراع السياسي والعسكري المستمر بين دول النزاع القائم في المنطقة يمثل نموذجاً واضحاً لهذا النوع من حروب تشبه «كرة الثلج»، حيث لا تكون المحصلة النهائية الحسم العسكري بقدر ما تكون إدارة التوتر لتحقيق مكاسب ممتدة عبر الزمن، واستراتيجيات إبعاد أنظار العالم عن ملفات ساخنة من جهة وتعويم ملفات أسعار الطاقة من جهة أخرى.
فما سيأتي بعد الحرب هو بقاء روح نظام يشكل خطراً وجودياً على المنطقة، وانتعاش أسواق كارتيلات ولوردات السلاح والتسليح، وتعزيز النفوذ العسكري والسياسي، وجذب الاستثمارات كملاذ آمن بعد أن كانت الرسالة: اهربوا بأموالكم وأعيدوها إلى بيئة مخاطر عسكرية منخفضة. وربما يتبع ذلك جائحة عالمية كأداة لإحكام السيطرة على اقتصادات الظل، وستُحول بعض الدول الكبرى عملاتها إلى عملات رقمية، وبما أن الشرق الأوسط غير آمن، وأوروبا قارة عجوز تحيطها الأزمات المختلفة وتهديد روسي دائم لها، ومنطقة الباسيفيك تحت نفوذ التنين الصيني وكوريا الشمالية، فلابد من العودة إلى الرأسمالية المعاصرة بحلتها الجديدة؟
من يملك الشركات التي ستتجذر وتجد لها موطئ قدم مجدداً في أهم مناطق الطاقة في العالم بعد أن عانت كثيراً من منافسة شرسة وتم استبدالها بالصاعدين الجدد؟ وربما تكون النتيجة تحويل التوتر إلى قوة اقتصادية ونفوذ عالمي، والقاعدة تقول إن التوتر يساوي أرباحاً، والاستقرار الكامل يساوي خسارة لبعض الأطراف، والحرب الشاملة تساوي خسارة للجميع. في قلب هذا المشهد كان الاستهداف الأكبر لمن يمثل نموذجاً عالمياً يحسده عليه الجميع.
ويبرز عامل الطاقة، في منطقة ليست مجرد مسرح جغرافي، بل محور رئيس لتدفق النفط والغاز نحو العالم، وأي توتر في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الأسعار، وهو ما يمنح الفاعلين الكبار قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي؛ فإن ارتفاع الأسعار لا يمثل خسارةً صافيةً لمن يملك الاحتياطي الأكبر في العالم، بل ربما يشكل فرصة له لتعزيز صادراته من الطاقة، خصوصاً الغاز الطبيعي، وإعادة تثبيت موقعه كمورد موثوق للدول التي تبحث عن بدائل.
البعد الثاني لهذا الصراع يتمثل في الصناعات الدفاعية؛ فالتوتر المستمر يخلق طلباً دائماً على أنظمة الحماية والتسليح، من الدفاعات الجوية إلى تقنيات الرصد والمراقبة. هذا الطلب لا يقتصر على الجانب العسكري، بل من المتوقع أن يمتد إلى مجالات الأمن السيبراني والبنية التحتية الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وبدائل الطاقة وفشل نموذج الحروب التقليدية. ومع كل جولة تصعيد، عادة ما  تُبرم صفقات جديدة، وتضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع، وهو ما يحول التوتر إلى محرك اقتصادي مستمر.
كما يعزز هذا الواقع الاعتماد على الشراكات الأمنية، وهو اعتماد يتجاوز السلاح إلى التأثير السياسي والاستراتيجي وإقصاء المنافسين؛ ولهذا نجد الصين وروسيا وكوريا الشمالية في قلب المشهد وإنْ كان ذلك غير معلن. أما على المستوى الجيوسياسي، فإن إدارة التوتر تمنح بعضهم مبرراً دائماً للحفاظ على حضوره العسكري في مواقع حساسة، خاصة الممرات البحرية الحيوية. هذا الحضور لا يهدف فقط إلى الردع، بل إلى ضمان القدرة على التأثير. في المقابل يعتمد الآخر على الردع غير المتكافئ، مستفيداً من قدراته الصاروخية وشبكات نفوذه الإقليمية لرفع تكلفة أي مواجهة مباشرة، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذا التوازن ليس صدفة، بل نتيجة إدارة محسوبة من جميع أطراف النزاع المسلح، فدول الصراع المباشرة الثلاث لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة لتحقيق أهدافها، بل يكفيها إبقاء الضغط قائماً بما يحد من قدرة الآخر على التوسع؛ فالقوة تكمن في القدرة على البقاء والتأثير من دون الدخول في مواجهة مفتوحة. هكذا يتشكل ما يمكن وصفه بمنطق «منطقة التوتر المستقر»، حيث يستمر الصراع من دون أن يصل إلى نقطة الانفجار وإن كان يبدو كذلك. ومع كل هذه المكاسب لدول النزاع، يبقى الثمن الحقيقي مدفوعاً من قبل دول المنطقة نفسها.
فحالة عدم اليقين المستمرة التي تفرضها الصراعات تؤثر عادة في الاستثمارات، وترفع كلفة التشغيل، وتفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصادات المحلية والتأثير ربما يمتد لسنوات قادمة. كما أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، يخرج الصراع من دائرة «الإدارة» إلى دائرة المواجهة المباشرة، بما يحمله ذلك من تداعيات واسعة. فهل يمكن قراءة الصراع بوصفه نزاعاً تقليدياً يسعى إلى الانتصار النهائي؟ أم هو نموذج معاصر لإدارة الأزمات كأداة استراتيجية؟ التوتر هنا ليس حالة طارئة، بل جزء من منظومة أوسع تستخدم لإعادة توزيع النفوذ، وتحريك الاقتصاد، واختبار حدود القوة من دون الوصول إلى الحرب الشاملة. 
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد