حين سقطت الأقنعة.. مَنْ الذي أعطى ومَنْ الذي أنصف؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في خِضَمِّ الحرب وما رافقها من توتر غير مسبوق في المنطقة، لم تكن المفاجأة في اختلاف المواقف السياسية، فذلك أمر طبيعي تحكمه المصالح، بل كانت في حجم ما انكشف من مشاعر تجاه دول الخليج، وتحديداً تجاه دولة الإمارات. فجأة، خرج إلى العلن خطاب يحمل قدراً من الحسد والاتهام، وكأن نجاح الخليج واستقراره أصبحا موضع تشكيك، بدل أن يكونا موضع تقدير. وفي أوقات الأزمات، لا تُختبر الدول فقط، بل تُختبر النوايا، وتُكشف المواقف الحقيقية بعيداً عن الشعارات.
ومن أكثر العبارات التي تكررت: «نحن من علّمناكم منذ الستينيات». وهي حقيقة لا ننكرها، بل نُقدّر كل مَنْ ساهم في مراحل التأسيس الأولى من أشقائنا العرب. لكن الحقيقة لا تُقرأ من زاوية واحدة. من جاء إلى الخليج جاء لأنه وجد الفرصة، والاستقرار، والبيئة التي تمكّنه من بناء مستقبل مختلف له ولأسرته. لم تكن العلاقة يوماً منّة من طرف على آخر، بل كانت علاقة تكامل حقيقي: جهدٌ يُقدَّم، وفرصة تُمنح، ودولة تبني، وإنسان يشارك في البناء.
الإمارات لم تكن مجرد مكان عمل، بل كانت نموذجاً في احتضان الإنسان وصناعة الفرص. آلاف الأُسر العربية عاشت هنا، وتعلم أبناؤها في مدارسنا، واستفادت من منظومة تعليمية وصحية وبنية تحتية متقدمة، وفّرت مستوى معيشة لم يكن متاحاً بنفس الصورة في كثير من الدول آنذاك. لم يُسأل أحد يوماً من أين جاء، بل ماذا يستطيع أن يقدّم؟ وهذه كانت فلسفة بناء قائمة على الانفتاح والثقة، لا تزال مستمرة حتى اليوم.
والأهم من ذلك، أن دول الخليج لم تكن يوماً متلقية فقط، بل كانت دائماً في موقع المبادرة. في كل أزمة عربية تقريباً، كانت دول الخليج في مقدمة الداعمين: مساعدات مالية، إغاثة إنسانية، دعم للاستقرار، ومساهمات في إعادة الإعمار. من لبنان إلى مصر، ومن اليمن إلى السودان، كانت اليد الخليجية حاضرة عندما غابت أطراف أخرى أو اكتفت بالشعارات. هذا الدور لم يكن ظرفياً، بل نهجاً مستمراً يعكس مسؤولية إقليمية ورؤية قائمة على الاستقرار لا الفوضى.
وفي المقابل، من المشروع أن يُطرح السؤال بوضوح: ماذا قدّمت إيران للمنطقة العربية؟ هل أسهمت في استقرارها، أم كانت حاضرة في بؤر التوتر؟ من العراق إلى سوريا إلى اليمن ولبنان، لا يمكن تجاهل أن تدخّلاتها ارتبطت بتعقيد الأزمات أكثر من حلّها، وبإطالة الصراعات بدل إنهائها. هذه ليست قراءة انفعالية، بل واقعاً تعكسه تطورات المنطقة خلال العقود الماضية.

المؤسف اليوم ليس في اختلاف التقييم، بل في غياب الإنصاف. فالبعض يتجاهل تاريخاً من الدعم الخليجي، ويختزل العلاقة في سردية قديمة تُستخدم خارج سياقها. نعم، ساهم العربي في بناء بعض القطاعات في الخليج، لكن الخليج أيضاً وفّر البيئة التي ضاعفت هذا العطاء، واحتضن الجميع دون تمييز، وفتح أبوابه في وقت كانت فيه أبواب أخرى مغلقة.
ما كشفت عنه هذه المرحلة أن التحدي الحقيقي ليس في السياسة، بل في الوعي. فهناك مَن لا يرى النجاح إلا تهديداً، ولا يقرأ التجارب الناجحة إلا بعين الشك، بينما الواقع يثبت أن الاستقرار يُبنى، وأن التنمية تحتاج إلى رؤية وعمل، لا إلى شعارات.
وفي لحظات الاختبار، تُقاس المواقف بالفعل لا بالخطاب. والخليج، عبر تاريخه الحديث، اختار أن يكون طرفاً في البناء لا الهدم، في الدعم لا التأزيم، وفي فتح الأبواب لا إغلاقها.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصدق: إذا كان كل هذا التاريخ يُتجاهل، فهل المشكلة في الخليج، أم في مَنْ لم يتقبّل يوماً أن النجاح يمكن أن يُبنى بهدوء ويستمر بثبات؟

*لواء ركن طيار متقاعد.



إقرأ المزيد