جريدة الإتحاد - 4/7/2026 11:45:05 PM - GMT (+4 )
لا تعود الأزمة الراهنة لحلف شمال الأطلسي إلى الحرب الحالية، فقد بدأت مع ولاية ترامب الأولى بسبب الخلاف حول التوزيع العادل لأعباء الحلف المالية، إذ رأى ترامب أن بلاده تتحمل منها أكثر مما ينبغي، وإذا كان التوتر قد شاب العلاقة بين الولايات المتحدة وشركائها في الحلف بسبب هذه الأزمة، فإن حدّتها بالتأكيد لم تصل لمستوى الأزمة الحالية، خاصة أن موقف ترامب أفضى إلى زيادة شركائه في الحلف إنفاقهم الدفاعي.
غير أن الأزمة عادت مجدداً، بل وتفاقمت في الولاية الحالية لترامب، وبدأت بوادرها بالخلاف بين نهجه والنهج الأوروبي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، إذ كان على استعداد لقبول حصول روسيا على مكاسب إقليمية نتيجة الحرب على أوكرانيا، وهو ما كانت الدول الأوروبية ترفضه بطبيعة الحال، وتفاقمت الأمور بمطالبته بملكية جزيرة جرينلاند، وصولاً للموقف الراهن الذي يشهد مفارقة واضحة، إذ إن الدول الأوروبية لا تختلف معه من حيث الجوهر على موقفه من النظام الإيراني، لكن الخلاف تركّز حول أسلوب إدارة الصراع، فبينما تبنّى ترامب استخدام القوة لإجبار إيران على الانصياع لمطالبه، كانت الدول الأوروبية تفضّل المسار الدبلوماسي، ويُضاف لهذا أنه لم ينظر لعمليته العسكرية ضد إيران باعتبارها تتم في إطار حلف الأطلنطي، وبالتالي لم يهتم بمشاركة أعضائه في تحديد أهدافها والتخطيط لها، وهو ما تحجّج به الأعضاء لتبرير رفضهم المشاركة فيها، ومن هنا جاءت زيادة التصعيد في الأزمة بين ترامب وحلف شمال الأطلسي، التي ارتبطت بتصريحات متبادلة جاء أقواها من ترامب، وقد أنهيتُ مقالتي السابقة بالتساؤل عما إذا كانت تصريحات ترامب ستكون بداية لاستجابة الدول الأوروبية لطلباته، لكن ما حدث كان العكس.
فقد استمرت انتقاداته الحادة للحلف، وبرّرها بتخاذل أعضائه عن دعم الولايات المتحدة في حربها، ووجّه خطابه للأوربيين، قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟»، ثم زاد وزير دفاعه الأمور وضوحاً عندما سُئل عن الالتزام الأميركي بالدفاع الجماعي عن دول الحلف فأجاب: «القرار فيما يتعلق بالحلف يُترك للرئيس، لكن أموراً كثيرة انكشفت»، وعلى الجانب الأوروبي بدوره دعا الرئيس الفرنسي القوى المتوسطة حول العالم إلى توحيد صفوفها لإنشاء قوة موازية تُنهي التبعية لكل من الولايات المتحدة والصين، محذّراً من خطورة الانقسام في النظام العالمي الحالي، وأضافت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش: «دعوني أُذَكركم بطبيعة حلف شمال الأطلسي. إنه تحالف عسكري معنيٌّ بأمن منطقة أوروبا والأطلنطي، ولم يُصَمَّم لتنفيذ عمليات في مضيق هرمز».
كما أكد رئيس الوزراء البريطاني أنه يعمل لمصلحة بلاده بغضّ النظر عن الضجيج، وأضاف أن عدم الاستقرار الناجم عن الحرب يعني أن بريطانيا يجب أن تحوّل تركيزها إلى توطيد العلاقات الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا، وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى حرص بريطانيا على علاقتها «الخاصة» بالولايات المتحدة منذ انتقلت قيادة التحالف الغربي إليها بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يقل أهمية عن هذه التصريحات نظيرتها الصادرة عن متحدث باسم الحكومة الألمانية وورد فيها: «هذه ليست المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك (أي ترامب)، وبما أن هذه ظاهرة متكررة، فربما يمكنكم الحكم على العواقب بأنفسكم»، وكلها مواقف تفتح الباب واسعاً لأسئلة عديدة عن مستقبل الحلف.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة
إقرأ المزيد


