جريدة الإتحاد - 4/7/2026 11:54:03 PM - GMT (+4 )
في ظل التوسع المتسارع الذي يشهده قطاع الرعاية الاجتماعية في إمارة أبوظبي، من حيث تنامي عدد الجهات العاملة، وتنوع الخدمات المقدمة، وارتفاع الطلب على المختصين في المجالات الاجتماعية والنفسية، تبرز فجوة واضحة بين الحاجة المتزايدة إلى هذه الكفاءات ومحدودية المعروض من الكوادر الوطنية المؤهلة. واستجابةً لذلك، أطلقت دائرة تنمية المجتمع- أبوظبي، بالتعاون مع دائرة التعليم والمعرفة، برنامج البعثات في مجالات الرعاية الاجتماعية ضمن منظومة بعثات أبوظبي.
وتأتي هذه المبادرة في سياق دعم مستهدفات التنمية في القطاعات المرتبطة بجودة حياة الإنسان، كالتعليم والصحة، وتعكس التزام الإمارة بالاستثمار في رأس المال البشري الوطني، وتعزيز جاهزية واستدامة منظومة الرعاية الاجتماعية. ويهدف البرنامج إلى إعداد كوادر وطنية متخصّصة، قادرة على تلبية احتياجات المجتمع وفق أعلى المعايير المهنية والتنظيمية.
ويركّز البرنامج على سد الفجوة القائمة عبر بناء مسارات تعليمية ومهنية واضحة، تسهم في دعم استدامة القطاع على المدى الطويل. كما يلبي تطلعات الطلبة المواطنين الراغبين في الالتحاق بتخصّصات اجتماعية ونفسية محورية، من خلال توفير بعثات دراسية لمرحلتَي البكالوريوس والماجستير في جامعات عالمية مرموقة، بما يعزّز جاذبية هذه التخصّصات ويرسّخ مكانتها كمسارات مهنية ذات قيمة مجتمعية وأثر مستدام.
ويستهدف البرنامج نخبة من الطلبة المواطنين، في المرحلة الثانوية أو من الخريجين الجدد، في اختيار يعكس فهماً عميقاً لطبيعة العمل الاجتماعي. فالرعاية الاجتماعية ليست مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية تتطلب حساسية عالية، وصبراً، وقدرة حقيقية على التعاطف. لذا، يركّز البرنامج على معايير دقيقة لاختيار الطلبة الذين يمتلكون هذه السمات، وتأهيلهم في أفضل الجامعات العالمية، ثم ربطهم بسوق العمل المحلي عبر التدريب العملي.
ويمثّل البرنامج نقلة نوعية، لا تقتصر على توفير فرص تعليمية أو وظيفية، بل تمتد إلى بناء جيل يمتلك الأدوات العلمية لحماية النسيج المجتمعي، والحد من تفاقم المشكلات. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك في تحسين جودة الخدمات الاجتماعية المقدمة للأفراد والأسر، وتعزيز فعالية البرامج الوقائية، وتقديم دعم نفسي أكثر كفاءة، خاصة لفئة الشباب في مواجهة تحديات الحياة المعاصرة.
كما يسهم وجود كوادر وطنية مؤهلة في هذا القطاع في تعزيز الثقة المجتمعية، إذ يشعر المستفيد بأن الخدمة تُقدَّم من شخص يفهم ثقافته وقيمه وتحدياته. وعلى الصعيد الاقتصادي، يُعدُّ البرنامج استثماراً استراتيجياً، فتمكين مختصين اجتماعيين مؤهلين يحد من كلفة معالجة المشكلات المتفاقمة، ويجسّد مبدأ أن الوقاية أقل كلفة وأكثر أثراً من العلاج.
ولا يقتصر هذا البرنامج على كونه مبادرة تعليمية، بل يمثّل تحولاً استراتيجيّاً في رؤية التنمية الاجتماعية. ففي وقت ينشغل فيه العالم بتسارع التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، تؤكد إمارة أبوظبي أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن قوة المجتمعات تُقاس بقدرتها على رعاية أفرادها في مختلف الظروف.لقد ارتكزت مسيرة التنمية في دولة الإمارات منذ بدايتها على بناء الإنسان إلى جانب البنية التحتية، واليوم يتجدّد هذا النهج عبر دعم قطاع الرعاية الاجتماعية بكفاءات وطنية قادرة على قيادته وتطويره. فالتوسع في الخدمات لا يكتمل دون تأهيل العنصر البشري. كما يعكس البرنامج مستوى متقدماً من النضج المؤسسي، إذ يتجاوز توفير الخدمات إلى بناء القدرات الوطنية القادرة على إدارتها وتطويرها، وهو جوهر الاستدامة الحقيقية التي تقوم على تمكين المجتمع من رعاية ذاته بكفاءة واقتدار.
ومع ذلك، تبرز الحاجة إلى مواكبة هذا البرنامج بحملات توعوية تسهم في تغيير الصورة النمطية لبعض تخصّصات الرعاية الاجتماعية، التي كانت تُعد في السابق أقل جاذبيةً بالقياس إلى تخصّصات أخرى. ومن المهم تشجيع الأسر والمرشدين الأكاديميين على توجيه الطلبة نحو هذه المسارات بدافع القناعة والفخر، لا بدافع الحاجة فقط.
وفي جوهره، لا يمثل برنامج بعثات الرعاية الاجتماعية مجرد خطوة تنفيذية، بل يعبّر عن رؤية قيمية واضحة، تؤكد أن قوة الأمم تكمن في قدرتها على حماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتمكين جميع أفراد المجتمع. ومن هنا، تتجسّد هذه الرؤية في برامج عملية، ومسارات تعليمية مدروسة، وشراكات استراتيجية تعزز استدامة التنمية الاجتماعية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


