جريدة الإتحاد - 4/7/2026 11:54:09 PM - GMT (+4 )
ليس أدقَّ في فهم العدوان الإيراني على الإمارات ودول الخليج من أن نقرأه بوصفه مشروعاً مركّباً، لا يكتفي بجبهة النار، بل يفتح معها دائماً جبهةً موازية من الإسناد المعنوي والفكري. فإيران لا تريد أن تضرب فقط، بل تريد كذلك أن تُعيد تشكيل الوعي العربي بحيث يُنظر إلى ضرباتها بوصفها امتداداً لمعركة كبرى، لا اعتداءً على الدول العربية وسيادتها واستقرارها.
ومن هنا يتجلى موضع التلاقي مع بعض دوائر «الإخوان»: ليس في وحدة المذهب، بل في وحدة الوظيفة، أي في صناعة خطابٍ يُربك الرأي العام، ويؤجّل الحكم على الخطر الإيراني، ويمنح مشروعه حصانةً عاطفية كلما رفع شعار فلسطين.
غير أن هذا التلاقي ليس طارئاً، ولا وليدَ اللحظة. فخيوطه الأولى تمتد إلى الأربعينيات، حين نشأت قنوات التقارب بين حسن البنّا ومحمد تقي القمي، وتكثّفت في مناخ «التقريب» الذي لم يبقَ حواراً فقهيّاً مجرداً، بل تحوّل تدريجيّاً إلى مساحة تواصل سياسي وتنظيمي. ثم جاءت صلة البنّا بآية الله كاشاني، قبل أن تتخذ العلاقةُ صورةً أوضح مع مجتبى نواب صفوي، مؤسّس «فدائيان إسلام»، الذي زار القاهرة سنة 1954، واستُقبل في الفضاء الإخواني استقبال الحليف لا الضيف، وألقى كلماتٍ في محافلهم، حتى بدا المشهد يومها أبعدَ من مجاملة عابرة، بدا تعارفاً بين خيالين سياسيين يبحثان عن لغة مشتركة: خيال دولة «الخلافة»، وخيال دولة «ولاية الفقيه».
ثم تطورت هذه الخيوط من التعارف إلى التأثير المتبادل. فقد وجدت كتابات سيد قطب طريقها إلى المجال الإيراني، وتلقّفتها أوساطٌ ثورية هناك، حتى غدت مفاهيم الحاكمية والانقلاب على الدولة الوطنية الحديثة عناصرَ قابلةً للترجمة والتكييف داخل المزاج الثوري الإيراني. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُترجم علي خامنئي قبل الثورة بعضَ كتب سيد قطب، فذلك يكشف أن الجسر لم يكن سياسيّاً فقط، بل كان فكريّاً أيضاً، وأن التلاقي لم يقم على المجاملة بين تنظيمين، بل على تقاطعٍ أعمق في النظر إلى الدين والدولة والسلطة والمجتمع.
وحين وقعت الثورة الخمينية سنة 1979، بدا هذا التلاقي أكثر وضوحاً. فقد استقبلت بعضُ دوائر «الإخوان» الثورةَ باعتبارها أول تجسيد عملي لفكرة «الدولة الإسلامية» بعد سقوط الخلافة العثمانية، لا باعتبارها مجرد انقلاب على الشاه. ولم يكن ذلك مجرد انفعال لحظة، بل تُرجم إلى تهانٍ، ووفود، وخطاب تعبوي احتفى بالخميني احتفاءً يتجاوز حدودَ المجاملة السياسية. وهنا بالذات تشكلت البنية العميقة لجبهة الإسناد: إيران تقدّم نفسَها نموذجاً منتصراً للإسلام السياسي في الحكم، وبعض «الإخوان» يرون فيها برهاناً على إمكان عودة «الدولة الإسلامية»، ولو من بوابة مذهبية مختلفة.
لكن أخطر ما في هذا التلاقي ليس ماضيه، بل وظيفته الراهنة. فكلّما اشتد الخطر الإيراني على الخليج العربي، تحركت جبهةُ الإسناد المعنوية لتغيير موضوع النقاش: بدل أن يكون السؤال عن الاعتداء على دول الخليج العربية، يصبح الحديث عن فلسطين، وبدل أن يكون الكلام عن الصواريخ والميليشيات واختراق المجتمعات، يُدفع الرأي العام إلى سؤال آخر: كيف ننتقد مَن يرفع شعار مقاومة إسرائيل؟! وهكذا يُعاد ترتيب الوعي العربي على نحوٍ يجعل إيرانَ تستفيد من رصيد فلسطين الأخلاقي، لا لتخدم فلسطين بالضرورة، بل لتحصّن مشروعها الإقليمي من النقد، وتمنح عدوانَها ستاراً رمزيّاً كثيفاً.
ومن هنا أيضاً نفهم سر العداء للإمارات خاصةً ولدول الخليج عموماً. فالإمارات تمثّل نقيضاً سياسيّاً وفكريّاً لهذا المنطق كله: دولة وطنية مستقرة، تنموية، متصالحة مع العصر، حاسمة في مواجهة التنظيمات المؤدلجة، ورافضة لأن يتحول الدين إلى منصة صراع على السلطة أو أداة اختراق للمجتمع. وهذا ما يجعلها في نظر إيران عقبةً أمام التمدد، وفي نظر «الإخوان» عقبةً أمام إعادة إنتاج الشرعية التنظيمية تحت لافتات دينية وعاطفية.
إن المعركة اليوم ليست فقط مع صاروخٍ ينطلق من منصة، بل مع معنى يُبث في العقول، ومع رواية تُزرع في المجال العربي، ومع جبهة إسنادٍ فكرية تريد أن تُلبس المشروع الإيراني لبوسَ القضية الفلسطينية، وأن تجعل الاعتراض عليه كأنه خروجٌ على فلسطين نفسها. وهنا يلزم التفريق الحاسم: فلسطين قضية حق، أما إيران فدولة مشروع. ومَن يعتدي على دول الخليج، ويهدد أمنَها وسيادتَها، لا يمكن أن يُعفى من المساءلة لأنه يرفع شعاراً كبيراً. ذلك أن الشعارات لا تغيّر حقائق الجغرافيا، ولا تمحو آثار الصواريخ، ولا تحجب حقيقةَ التلاقي بين جبهة النار وجبهة الإسناد.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


