من يدمل جروح الحرب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ما حدث من عبثية إيرانية، تدمير لم يشهد له التاريخ إلا مرة واحدة، على أيدي التتار، يوم غرقت بغداد بالدماء الزكية. اليوم يتحدثون عن إنهاء الحرب، وهي منتهية لا محالة، لأنه ما من حرب نشبت، ودامت، فكل ذلك سينتهي، ولكن السؤال هو عن الجروح العميقة التي حفرتها الآلة الإيرانية المعتدية، التي لم تترك شاردة، ولا واردة، ولم تراعِ جيرة، ولا شريعة، ولم تستند إلى قوانين، ولا عقل. إيران فعلت كل ما فعلته، بدافع كراهية دفينة، متذرعةً، بحجج واهية، ومبررات تشبه فقاعة على سطح ماء ضحل. 
ماذا سيقول قادة إيران عندما يأتون إلى دول الخليج العربي، يطلبون العفو والغفران؟، وبأي وجه يستطيع أن يواجه هؤلاء الحقائق على الأرض، وهم ضربوا مثالاً للعنجهية والهمجية السياسية، عندما عرّضوا المنطقة لأخطار فاقت الخيال، وهجمات لم تُبقِ ولم تذر، ونتخيل نحن أبناء الخليج العربي، كيف سيكون الحال في المنطقة، لو أن هذه الدول لم تتصدَ لاعتداءات، ببسالة الرجال؟، نتخيل أن إيران فعلت ذلك ليس بدافع الدفاع عن النفس كما سوّقت لنفسها، واعتبرت نفسها الضحية، فهذه المشاعر الإيرانية نعرفها، وقرأناها كثيراً في أدبيات العقيدة الإيرانية، وما تُحفّها، وتتضمنها، وما يكتنفها من كذبة تاريخية، أصيلة في وجدان القيادة الإيرانية، وهي تمارسها بسذاجة، وتعمل على تكرسيها منذ أزمنة غابرة، فإيران دولة محتلة، وباطشة، منذ عام 1925م، ويعرفها كل قارئ تاريخ، ودماء خزعل بن جابر الكعبي لم تزل ملتصقة في تراب الأحواز، ولكن للأسف إن ذاكرة العالم مثقوبة، أو هكذا يراد لها، لتبقى الحقائق مطموسة، ومغموسة في طين الخبث، ورثاثة الأفكار السوداوية.
 لا شكّ أن العرب يمرون اليوم بحالة من الضياع، ولذلك يعيشون الحالة كما هي من دون إرجاعها إلى أصلها، وجذرها التاريخي، وإلا لما تمادت إيران، وتطاولت على الجغرافيا وكأنها الولي الفقيه ليس لإيران، بل للعالم أجمع، واليوم تفكر إيران بالاستيلاء على المضيق، وتطالب بدفع الضريبة، ضريبة المرور عبر هذا الممر المائي الدولي. مثل هذه السياسة لا تصنع علاقة إنسانية معافاة من درن الأنانية، ومثل هذه القناعات ليست إلا لعباً في نار المشاعر الإنسانية، وانقلاباً دموياً على الحقائق التاريخية، والجغرافية، وقلب الموازين والانقلاب على الأصول والفصول. 
نستمع إلى المحللين الإيرانيين، ونسمع العجب العجاب، فإنهم يتكلمون عن الخليج العربي، وكأنهم يتكلمون عن طهران، وعن شيراز، ولكن سوف يستمر هؤلاء في بث السموم، ونشر الغيوم، حول الحقائق وطمسها طالما ظلت الحروب تدور حول المصالح الذاتية، من دون اعتبار للمصالح الجمعية، وعلينا أن ننتظر ماذا ستسفر عنه هذه الحرب، ولكن قناعتي أنها ستكشف عن خديعة بصرية تعيشها إيران، وبعد ذلك لن يفيد الندم لأنه ما من ذنب أكبر من تزييف التاريخ، ولأن التاريخ اسم مذكر، لا تنثني له رقبة، ولا تنكسر له إرادة.
إيران تلعب بدافع الوهم، دور الشرطي، هكذا تريد، ولكن كيف وهناك عيون ترصد، وتسهر، على تثبيت الحقائق، ودحض الأوهام، وصمود دول الخليج العربي خير دليل، وأبلغ الشواهد، وعلى إيران أن تتعظ، وتستفيد من العِبَر، وتخرج من دائرة الأوهام.



إقرأ المزيد