جريدة الإتحاد - 4/8/2026 12:16:57 AM - GMT (+4 )
سألتني صديقة: أين أنتِ.. مختفية، هل أنتِ بخير؟
نعم: أنا بخير.. هكذا أجبتُ، غير أني تلعثمت قبل أن أجيب.
يا تُرى.. أين ستجد صديقتي الصدق فيما أجبتها؟ هل في معنى حروفي الذي اعتدناه، أم في تلك اللعثمة التي تسبق النطق، والتي تشي بكل ما أخشى قوله؟!
هكذا أصبحت.. تخرج الكلمات منّي بتردد. لماذا أصبحت عبارة «أنا بخير» عصيّة، لا تخرج بسهولة؟! هناك أمر تغيّر في كلماتي، هناك ارتجافة في المفردات التي اعتدت استخدامها للإِخبار عن حالي. يا تُرى، ما الذي يحدث في كلماتنا وقت الأزمات؟!
في الأوقات العادية، نستخدم الكلمات كما لو أنها مستقرة، تؤدي وظيفتها بسلاسة دون أن نشعر بوزنها. لكن في الأزمات، فجأة، يصبح لكل كلمة ثقل، تتحرك حسب اشتراطاته. لذلك نختصر، نلمّح، ليس لأننا لا نملك ما نقول، بل لأن ما نعيشه أكبر من أن يُقال. تتحول الكلمات إلى رموز يفهمها مَنْ يشاركنا ذات القلق. ومع هذا الاختزال القسري، يغيّر إيقاع الحديث نفسه، نصبح أكثر ميلاً لالتقاط المعنى من النبرة، لا من الجملة، تنسحب اللغة لتفسح المجال لما هو أعمق منها، ربما لإحساس مشترك بقلق داخلي لا نفصح عنه كاملاً.
في الأزمات، تتغير المعاني التي اعتدنا قولها، نقول: «عادي» ونقصد «مرهق». نقول: «ستمضي»، ونقصد «لا نعرف كيف»، أقول: «أنا بخير»، وأرجو أن يصدقوني، أو على الأقل.. لا يسألونني أكثر.
فاللغة في جوهرها ليست مجرد كلمات، إنما هي محاولة مستمرة لفهم ما يحدث لنا دون أن نفضح مخاوفنا! في قلب الأزمات، لا نكتفي بإعادة ترتيب حياتنا، بل نُعيد تشكيل لغتنا نفسها، كأننا نبحث داخلها عن صيغة نجاة، أو عن حدٍّ أدنى من معنى قد يتيح لنا الاستمرار.
إقرأ المزيد


