إيران والقضية الفلسطينية.. وتوظيف النفوذ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 منذ ثورة الخميني في عام 1979، رفعت إيرانُ شعارَ الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقدّمت نفسَها بوصفها رأسَ حربة فيما سمّته «محور المقاومة» ضد إسرائيل. وعلى مدار عقود متتالية، تحوّل هذا الخطاب إلى جزء ثابت من الهوية السياسية للنظام الإيراني، فأصبح خطاباً يُعاد إنتاجه في المناسبات الرسمية، والخطابات الشعبية، وشعارات الإعلام الموجّه.

لكن، رغم هذا الحضور المصطنع للقضية الفلسطينية في الخطاب الإيراني، يَطرح الواقعُ السياسي أسئلةً جوهريةً حول طبيعة هذا الدور التوظيفي: هل هو التزام مبدئي فعلاً، أم أداةٌ طويلة الأمد لتوسيع النفوذ الإقليمي؟ لا يمكن إنكار أن إيران قدّمت دعماً لفصائل فلسطينية مسلحة، مثل حركة «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي»، كما دعّمت «حزب الله» اللبناني باعتباره أحد أذرعها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. غير أن هذا الدعم لم يكن محايداً ولا شاملاً ولا مجانياً في يوم من الأيام، بل كان ولا يزال انتقائياً وموجَّهاً.. مما ساهم عملياً في تعميق الانقسام داخل الساحة الفلسطينية نفسها، وفي إضعاف دور منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية جامعة، فضلاً عما تسبّب فيه وجود «حزب الله» من إضعافٍ للدولة اللبنانية أيضاً. ولعل الأخطر من ذلك أن طبيعة هذا الدعم تكشف أهدافَه أولوياتِه، إذ يتركّز بشكل أساسي على الجوانب العسكرية والتمويل النقدي، بينما تغيب عنه بشكل كامل ولافت للنظر مشاريعُ التنمية الحقيقية، الاقتصادية والاجتماعية، مثل بناء المدارس والمستشفيات ودعم الاقتصاد والمجتمع الفلسطينيين. وهذا ما يثير تساؤلاً مشروعاً: هل الهدف هو تمكين المجتمع الفلسطيني بشكل عام، أم إبقاؤه في حالة صراع دائم على نحو يَخدم حسابات إقليمية أوسع لصالح إيران؟ وفي مقابل هذه الطبيعة الخاصة للدور الإيراني، نجد أن المساعدات العربية، وأهمها المساعدات التي تقدمها دولة الإمارات، غالباً ما تأتي على شكل مستشفيات وأجهزة وأدوية طبية ومساعدات إنسانية وتنموية يحتاج إليها المجتمع الفلسطيني. وعلى هذه الخلفية فإن طبيعة الدور الإيراني تثير شكوكاً قوية لدى كثير من الفلسطينيين حول المدفوعات النقدية، التي يتم تقديمها لعناصر حركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بوصفها ثمناً لارتباط الحركتين بولاية المرشد وبالأجندة الإيرانية ارتباطاً أصبح عضوياً مع مرور الوقت. وعند النظر إلى سلوك إيران في الإقليم، تتسع دائرة الشكوك حول دورها حيال القضية الفلسطينية، ففي أعقاب سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003، تعرّض الفلسطينيون في العراق لانتهاكات على أيدي جماعات مرتبطة بإيران وفي ظل وجود عسكري وسياسي قوي لإيران وحلفائها، وعلى رأسهم «حزب الله». أما في اللحظات الأكثر حرجاً، مثل الحروب المتكررة على غزة، فقد بدا الدورُ الإيراني في معظمه غير مباشر، أي مقتصراً على الدعم عبر الوكلاء، دون تحرك سياسي أو عسكري يوازي حدةَ الخطاب المعلن. وهذا التباين بين التصعيد اللفظي والحذر الفعلي يعزّز الانطباعَ بأن القضية الفلسطينية تُستخدم في السياسة الإيرانية كشماعة فقط أو كورقة ضغط أكثر من كونها أولوية استراتيجية مستقلة. والأمر لا يتوقف عند ذلك الحد، بل يمتد إلى غياب واضح للقضية الفلسطينية نفسها عن طاولة المفاوضات الكبرى التي تخوضها إيرانُ مع القوى الدولية، خصوصاً فيما يتعلق بملفات حساسة مثل البرنامج النووي. فلو كانت القضية في صلب الاستراتيجية الإيرانية بالفعل، لكانت حاضرة بشكل فعّال في تلك المفاوضات، لكنها مجرد شعار يُرفع في الداخل ويُغيَّب في الخارج. وفي المحصلة، يبدو أن إيران قد استطاعت تحويلَ القضية الفلسطينية إلى أداة متعددة الاستخدامات: وسيلة لتعزيز «شرعيتها الثورية»، وورقة ضغط في صراعاتها الدولية، وأداة لتوسيع نفوذها في المنطقة العربية. وبينما تستمر إيران في هذا التوظيف الانتهازي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل خدم هذا الدورُ الفلسطينيين فعلياً أم خدم مصالحَ إيران فقط؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالشعارات المرفوعة، بل بالنتائج الفعلية على الأرض.. وحتى الآن لا شيء في الواقع غير الشعارات والدعايات!

*سفير سابق



إقرأ المزيد