جريدة الإتحاد - 4/8/2026 1:04:49 AM - GMT (+4 )
لا صوت فوق صوت المعركة، ولا حدث أهم دولياً من الحرب الأميركية الإسرائيلية، ضد نظام الولي الفقيه الإيراني في كامل صراعات الكرة الأرضية في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ المنطقة والعالم. على طول التاريخ وعرض الجغرافيا كانت الدول الهابطة في سلم الحضارة والقوة، تتشبث بكل ما كان لها في الماضي من إرثٍ حضاريٍ وعسكريٍ واستعماريٍ دون أن تكون لديها أي قدرةٍ على خلقٍ حضارةٍ جديدةٍ أو قوةٍ مبتكرةٍ، وهو ما يمكن رؤيته بسهولة في وضع الدول الأوروبية بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتبعاتها، ولئن كان الرئيس ترامب رئيساً قوياً، ويسعى اليسار الليبرالي الأميركي للسخرية منه، إلا أنهم ينتظرون وقتهم حتى يستطيعوا الاستفادة من قراراته وسياساته وحروبه لاحقاً دون تحمل أي تبعاتٍ لها.
الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران هي حربٌ محسومةٌ عسكرياً وسياسياً قبل أن تبدأ، والمؤدلجون الخرافيون مستعدون لحرق الأخضر واليابس في بلدانهم ومن شعوبهم ومواطنيهم قبل أن يغيروا مواقفهم، وقد قامت كل تنظيرات «الإسلام السياسي» و«العنف الديني» لدى المسلمين على تشريع قتل المسلمين وإفناء المؤمنين في سبيل وصول الجماعة إلى السلطة وتعزيز قدرة التنظيم على إثبات نفسه.
فكرة «رد الجميل» العسكري نشأت إبان الحرب العالمية الباردة بين القطبين العالميين وقتها، الشرقي والغربي، وقامت «حرب فيتنام» ودامت 20 عاماً بين 1959 و1975 وانتهت بانسحاب الأميركيين وضم فيتنام الجنوبية للشمالية وانتصار الاتحاد السوفييتي.
بعد ذلك بسنواتٍ قليلةٍ دخل الاتحاد السوفييتي عسكرياً إلى أفغانستان، فدخل مستشار الأمن القومي الأميركي بريجنسكي على الرئيس الأميركي مبشراً بالخبر، وقائلاً: «لقد آن الأوان لنرد للسوفييت جميل فيتنام».
الحرب الروسية - الأوكرانية كانت تغلي منذ ولاية أوباما الأولى، وقد توسعت روسيا فيها من جزيرة القرم إلى شرق أوكرانيا دون أي ردة فعلٍ أوبامية، ثم حين جاء بايدن أراد إصلاح تقصير أوباما، فكادت قراراته للمواجهة مع روسيا في أوكرانيا أن تسقط النظام الدولي برمّته، وأن تشعل الحرب العالمية الثالثة دون أي مبررٍ حقيقيٍ، وأراد بايدن مع أوروبا تكبيد روسيا خسائر أكثر من تلك التي تكبدها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وأدت لسقوطه وتفككه من باب «رد الجميل».
وقد ردّت روسيا «جميل» أميركا السابق في أفغانستان عندما دخلتها أميركا بعد 2001 حتى انسحب بايدن وأميركا من أفغانستان 2021 لا يلوون على شيء فقامت روسيا بـ«رد الجميل» لأميركا في أفغانستان.اليوم في هذه الحرب الأميركية الساحقة الماحقة ضد نظام الولي الفقيه في إيران تسعى روسيا مجدداً لـ«رد الجميل» الأميركي العسكري في أوكرانيا، وما تغفل عنه الدولتان العظميان اليوم هو أن المعادلة هنا مختلفةٌ تماماً، فالطرف الخليجي في هذه المعادلة ليس طرفاً ضعيفاً على أي مقياسٍ سياسي أو عسكري أو اقتصادي، فدول الخليج العربية ليست مكاناً لتبادل العداوات الدولية ولا موضعاً ضعيفاً من الأرض يستجدي الحماية من أحد.
في سياق «رد الجميل» ولكن هذه المرة بالمعنى الصحيح لا العكسي، فقد كان واجباً وفرضاً على الدول العربية أن تردّ الجمائل الخليجية التي ليست جميلاً واحداً، وذلك باتخاذ موقفٍ صارمٍ يدين الاعتداءات الإيرانية بوضوحٍ وصرامةٍ، وهو ما فشلت فيه الجامعة العربية فشلاً ذريعاً وتاريخياً.
أخيراً، فالخذلان التاريخي تعقبه سياساتٌ واستراتيجياتٌ تختلف تماماً عما كان قبله، والنخب الخليجية يجب أن تشتبك فكرياً وثقافياً وتحليلاً سياسياً مع بعض النخب الأميركية اليسارية الليبرالية، وكذلك أن تشتبك مع بعض المثقفين العرب، كما جرى في حرب تحرير الكويت حين كتب غازي القصيبي وحين رد تركي الحمد على محمد عابد الجابري وغيره.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


