جريدة الإتحاد - 4/8/2026 11:17:03 PM - GMT (+4 )
حبس العالم أنفاسه ليلة الثامن من أبريل، خشية «ساعة الصفر» التي لوّح بها دونالد ترامب مراراً، وتهديده بضرب البنية التحتية الإيرانية. ولكن، أُعلن في اللحظة الأخيرة عن الهدنة ووقف الأعمال العسكرية. نعم، كلنا في مجلس التعاون الخليجي دعاة سلام، ووقف إطلاق النار هو نصر لنا، لكن تبقى في صدورنا، وفي صدر كل عربي، غصة كبيرة وخذلان لا تمحوه بيانات البيت الأبيض. لماذا نشعر بالخذلان؟ هذا ليس شعوراً نابعاً من الرغبة في رؤية الدمار يلحق بالشعب الإيراني أو ببناه التحتية، فمعاذ الله أن نتمنى السوء لشعب جار، أو نفكر حتى بأذيتهم كما آذونا. وجلُّ ما كنا نتمناه هو التوصل إلى اتفاق يضع حدوداً واضحة لأطماع إيران وغيرها في منطقتنا، لتُبنى على أساسه علاقات مكافئة قوامها التعاون وحسن الجوار، لكن ما جرى كان بعيداً كلَّ البعد عن ذلك.
والدليل على ذلك أن دول الخليج مثل الكويت والإمارات تتعامل مع اعتداءات صاروخية خلال الساعات الماضية وكأن الهدنة لم تشمل دول الخليج!
هذا الخذلان ليس جديداً، بل هو نتاج ما زرعه النظام الإيراني فينا منذ لحظة اعتلاء الخميني سدة الحكم وبدء مشروع «تصدير الثورة». إنه تراكم لعقود من سياسة «تصدير الأزمات» التي انتهجتها طهران والسماح لها بأن تتمدد. فبينما تعمل دول الخليج على بناء نماذج اقتصادية وتنموية رائدة، كانت إيران تستثمر في «الميليشيات العابرة للحدود»، محولةً الجوار الجغرافي من فرصة للتكامل إلى عبء أمني يستنزف الموارد. وتحت ستار «نصرة القضية الفلسطينية والطريق للقدس» والمساعدات المزعومة، تغلغلت في نسيج خمس عواصم عربية، محولةً إياها إلى منصات لتهديد أمننا القومي، وتدميرها كل تلك العواصم من الداخل، حتى أن بعضها تحول إلى دول فاشلة لا تصلح للعيش فيها.
لقد بنت إيران سرديتها المقيتة على أننا «الخصم الأول»، ووضعت العواصم العربية في مرمى نيرانها قبل واشنطن وتل أبيب، الصواريخ التي تحمل شعارات «الموت لإسرائيل» كانت تسقط على المنشآت النفطية والمطارات المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، حيث إن أكثر من 82% من الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية وُجهت نحو دول مجلس التعاون الخليجي، وليس نحو «العدو البعيد» وكأنها – إيران- تتبع نهج التنظيمات الإرهابية التي كانت وما زالت مقراً لها، وكأن الطريق إلى القدس يمر إجبارياً عبر تدمير مقدرات الشعوب العربية، والخليجية خصوصاً.
ستخرج إيران بالتأكيد وكما اعتادت دائماً لتسوق لرواية أنها خرجت بـ «نصر إلهي» لمجرد توقيع الهدنة، لكنها كالمعتاد أيضاً واهمة تماماً، فقد ظهر انكشافها الكبير، ومستوى الاختراق في نظامها الأمني والعسكري، ما سمح باغتيال العشرات من كبار قادتها، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى رأس هرم السلطة الإيرانية، وصاحب القرار الأوحد فيها، ناهيك عن استباحة الطائرات والصواريخ لسمائها، وتدمير آلاف المواقع الحساسة والمهمة والحيوية فيها. وفقدانها لمعظم أصولها، ولولا تصرفها كدولة مارقة أتاحت لها الجغرافيا السيطرة على مضيق هرمز لما تمكنت من التنفس مجدداً، لكن لكل مقام مقال في حينه ووقته.
أضف إلى كل تلك الخسائر أن ما قبل اعتداءاتها على دول الخليج ليس كما بعدها. لقد خسرت أيضاً جيرانها الذين لطالما مدُّوا أيديهم لها، لقد تعاظم الاحتقان، وازدادت مشاعر البغض تجاه سياسات التوسع والابتزاز التي يمارسها نظام طهران.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بجرأة: لم تنتصر إيران، بل منيت بأكبر هزيمة معنوية وتاريخية، لأنه وإضافة لكل الخسائر المادية والبشرية، فقد سقطت ورقة التوت الأخيرة، أي ما تبقى لها من قناع (المقاومة) الوهمي الزائف في الوجدان الشعبي العربي، ومن يريد أن يصدقها، فإنه بصراحة يعلن عداءه لدولته الوطنية وعروبته وإسلامه. أما واشنطن، فقد أثبتت مجدداً أن مصالحها وحساباتها الانتخابية والجيوسياسية تسمو فوق أي التزام تجاه استقرار المنطقة، وقد يكون لإسرائيل رؤية وحسابات أخرى مختلفة، لكن يمكن القول: في هذه الهدنة، الجميع مهزومون، واشنطن التي تراجعت، وتل أبيب التي فقدت الردع، وطهران التي انكشف زيف مشروعها. والمعضلة أننا نحن الذين نُترك لمواجهة عبء الجوار الصعب وحدنا، بدروس مستفادة وخطط علينا أن نبدأ فيها بشكل عاجل.
في نهاية المطاف، يتبلور الخذلان في تلك الحقيقة المرة: أننا نعيش بين وهم فرط القوة المُدمج بالأطماع الإيرانية وعقلية التقلبات الأميركية. إن انسحاب واشنطن من وعودها «بقصقصة أجنحة» النظام الإيراني في اللحظات الأخيرة، يعيد التأكيد على أن أمن الخليج لن يحميه إلا أبناؤه.
لقد خذلتنا إيران بكونها جاراً لا يؤمن بالعيش المشترك، وخذلتنا القوى الكبرى بكونها حليفاً تحكمه مصالح البوصلة الانتخابية حتى روسيا والصين اللتين صوتتا ضد فتح مضيق هرمز، فقد أظهرتا حقيقة كانتا تحاولان مواراتها عن دول الخليج التي لطالما تعاملت مع القوتين بانفتاح وشراكة وتعاون.
كل هذا يضعنا أمام واقع جديد يتطلب الاعتماد الكلي على الذات في مواجهة مشروع لا يرى فينا إلا خصوماً يجب إضعافهم. لقد حان الوقت لإنتاج وبناء اتحاد حقيقي خليجي وعربي، فأمننا لا بدَّ أن نصنعه بأيدينا بمعزل عن كل الدول الكبرى، الغربية منها والشرقية، لقد كان للأزمة التي مررنا بها بعدٌ كاشف كبير، يضعنا أمام ضرورة وجودية، هي تشكيل اتحاد أو تكتل عربي جديد، ببعد أمني وعسكري واقتصادي فاعل، ومن لا يريد الانضمام لحماية هذه المقدرات والمنجزات عليه أن ينسحب من الآن ولا يختبئ وراء التُقية. لأننا دون فكرة الاتحاد الشامل التي كنا نرفضها سعياً للسلام ولكيلا نجعل من الجار عدواً، واجهنا في الأيام السابقة تداعيات المشاريع المتنافسة والتوسعية، ما يُحتم علينا دراسة خيار الاتحاد أو الحلف الذي سيمنع بلادنا من أن تكون عرضة للأطماع الإقليمية والدولية.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


