جريدة الإتحاد - 4/8/2026 11:17:18 PM - GMT (+4 )
الموقف الإماراتي في هذه الحرب يكشف فهم دولة قرأت التهديد الإيراني كما هو، وتعاملت معه بوصفه خطراً شاملاً على الأمن والاستقرار. ولهذا لم تكتفِ الإمارات بالتصدي العسكري، بل تحركت دبلوماسياً وقانونياً وحقوقياً وأممياً، ووصفت ما جرى من دون مواربة. عدوان إيراني غاشم وغير مبرر، ينتهك السيادة ويستهدف المدنيين والبنية التحتية واللوجستية ومنشآت الطاقة. لذلك جاء الحزم الإماراتي واضحاً منذ البداية.
فالإمارات التي سعت إلى تجنيب المنطقة هذه الحرب، ولم تنخرط فيها، لم تقبل اختزال ما جرى في رواية إيرانية مضلّلة تزعم أن الاستهداف اقتصر على قواعد أو مصالح أميركية. ومن هنا كان التوصيف الإماراتي مباشراً، بوصف ما جرى عدواناً إيرانياً إرهابياً. وكان القرار 2817 مهماً لأنه ثبّت حق دولنا في الدفاع عن النفس، كما أكد التحرك في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان أن ما جرى لم يعُد شأناً إقليمياً محدوداً، بل تهديداً للسلم والأمن الدوليين.
ولم يؤدِ هذا الوضوح إلى تغيير طبيعة الموقف الإماراتي، بل عززها. فقد بقي موقفاً دفاعياً ثابتاً هدفه صون أمن المجتمع والبنية التحتية، لا الانزلاق إلى الحرب المفتوحة. ولذلك بدت التقارير التي حاولت تصوير الإمارات كأنها اندفعت إلى المواجهة بعيدة عن حقيقة موقفها. فالإمارات استخدمت قوتها الدفاعية ضمن إطار حماية سيادة أراضيها، مع الاستعداد للمشاركة في أي جهد جماعي يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز وفق القانون الدولي.
وهذا يعكس الفارق بين دولة تتصرف بمسؤولية، والنظام الإيراني الذي يستخدم الجغرافيا والممرات المائية أداة ابتزاز.مضيق هرمز يوضح جانباً أساسياً من المقاربة الإماراتية في هذه الحرب. فالإمارات لم تتعامل معه باعتباره ممراً للطاقة فقط، بل باعتباره قضية قانونية واقتصادية وأمنية تمس العالم كله. لذلك جاء وصف محاولات إغلاقه أو فرض رسوم عبور عليه بأنه قرصنةً وحرباً اقتصاديةً منسجماً مع هذا الفهم.
ولا يجوز أن يبقى ممرٌ دولي حيوي رهينةَ سلوك النظام الإيراني، ولا أن تُترك حرية الملاحة خاضعة لمنطق بلطجة المضائق. وكشفت هذه الحرب أيضاً حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن لحظات الخطر تفرز الشركاء الحقيقيين. ففي أوقات الشدة لا قيمة لشعارات كبيرة لا تتحول إلى تضامن فعلي. ومن الطبيعي أن تخرج الإمارات من هذه الحرب بقراءة أكثر واقعية لخريطة علاقاتها وتحالفاتها. فالشراكات المقبلة لن تُبنى على العاطفة، ولا على اللغة، ولا على الدين، ولا على الادعاء، بل على المصلحة، والالتزام، والمساندة الفعلية حين يُختبر الأمن والسيادة.
وفي مقدمة هذه الشراكات تأتي الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة بوصفها الأكثر وزناً وفاعلية في حسابات الإمارات. وليس هذا اصطفافاً عاطفياً، بل استنتاجاً فرضته الوقائع. فالميزان هنا لم يكن في كثرة المواقف، بل في الجهة القادرة على دعم الدفاعات، وتأمين الملاحة، وترجمة الشراكة إلى فعل. ولا تغيّر الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، ولا المهل الأميركية، ولا الوساطات الإقليمية، نظرة الإمارات إلى المفاوضات. فأمن الخليج يبقى الأساس في الحكم على أي مسار سياسي مقبل.
والقضية ليست في الإعلان عن هدنة أو الحديث عن تقدم تفاوضي، بل في ما إذا كان ذلك سيقود إلى استقرار فعلي، أم إلى تهدئة مؤقتة تفتح الباب لأزمة جديدة. الأمن المستدام لا تصنعه المجاملات، ولا التهدئات الهشة، ولا الكيانات والمؤسسات الإقليمية التي تعجز عند أول أزمة. تصنعه دولة جاهزة ومتماسكة، تعرف مصدر الخطر، وتعرف شركاءها، وتدير معركة اليوم وهي تحسب ما بعدها.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


