جريدة الإتحاد - 4/8/2026 11:44:24 PM - GMT (+4 )
شهد التاريخ لحظات فاصلة أعادت ترتيب العالم من جذوره، كما حدث عقب الحربين العالميتين حين تبدّلت موازين القوة، وتغيّرت خرائط النفوذ، وتحوّل مفهوم الدولة والنظام الدولي. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات، لحظة تحوّل كبرى، تُعيد تعريف الإقليم، وتكشف أن المنطقة تقف على عتبة طور جديد في معناها السياسي والحضاري.
تغيّر تصوّر الشرق الأوسط بصورة جذرية، فهذه المنطقة ليست هامشاً في الجغرافيا الدولية، وإنما قلب العالم ورئتُه التي يتنفس عبرها الاقتصاد وممرات الطاقة والتوازنات الكبرى. وكلّ اضطراب فيها تتردد أصداؤه في السياسات والأسواق العالمية والأمن الدولية. ومن رحم هذه اللحظة يتشكّل تصور جديد، قاعدته استقرار يُفرض بوصفه ضرورة تاريخية، وسلام يقوم على مبدأ السلام مقابل السلام، من أجل إقليم يصنع التوازن في الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، ويمنح العالم قدراً أعلى من الاتزان.
كما يتبدّل شكل الدولة في الإقليم. فالأفق الجديد يستدعي دولاً وطنية راسخة، تُدار بمنطق المؤسسات والعقل السياسي الحديث، بعيداً عن هيمنة الأيديولوجيات الدينية والقومية ومشاريع تصديرها، وبعيداً كذلك عن أنماط الحكم التي أرهقت المجال العربي بعقلية أدخلته في دوائر طويلة من الإخفاق والانكشاف والجمود.
ويتغيّر كذلك تصور العلاقات بين الدول. فالعقد الجديد للعلاقات الإقليمية يتأسّس على توافق الرؤى تجاه العالم في القرن الحادي والعشرين، وعلى تحالف القيم والمبادئ، وفي مقدمتها السلام، والمدنية، والتنوير، والقدرة على بناء المصالح المشتركة. أما التحالفات التي قامت على الانتماءات الدينية أو العرقية أو القومية وحدها، فقد استُهلكت تاريخياً، وانكشفت حدودها، وصارت جزءاً من زمن مضى، بعد أن عجزت عن إنتاج واقع جديد يليق بتحولات العصر.
أما المجتمعات في الشرق الأوسط، فمصيرها بات معقوداً على قدرتها على التحرر من التطرف والكراهية والتعبئة الطائفية والقومية ضد أي مكوّن من مكونات الإقليم. فالمجتمع الذي يتسيّد فيه خطاب التحريض يفقد أهليته الأخلاقية والسياسية لقيادة المستقبل، ويغدو موضع مساءلةٍ إقليمية ودولية، حتى تتحمل حكومته مسؤولياتها، أو يُتخذ حياله موقفٌ ينسجم مع مقتضيات الاستقرار.
وفي أفق المستقبل، يبدو واضحاً أن الإقليم القادم لن يكون من نصيب الأكثر ضجيجاً، أو الأكثر صداماً، أو الأكثر ادعاءً، وإنما من نصيب الأكثر اتزاناً، والأعلى جاهزية، والأقدر على تحويل الرؤية إلى مؤسسات ومشروعات ومكانة. فالمستقبل تميل كفّته نحو من يجعل التنمية أولوية عليا، ويجعل التعاون الدولي طريقاً إليها، ويمنح الإنسان مركز المعنى في كل مشروع سياسي.
من هنا، تعيد هذه اللحظة إلى الخليج العربي مكانته بوصفه قوة إقليمية محورية يتعذّر تجاوزها في صياغة المعادلات السياسية، كما يتعذّر تمرير المشروعات الاقتصادية الكبرى من دون دورٍ حاسم له فيها. غير أن هذه المكانة تظل مشروطة بقدرة البيت الخليجي على تعزيز استقلاله الاستراتيجي، والتخفف من أعباء المجال العربي المثقل، وإجراء إصلاحاتٍ أعمق داخل منظومة مجلس التعاون، وحتى داخل المجتمعات الخليجية نفسها، بما يرسّخ كفاءتها وصلابتها التاريخية.
والجانب الفكري حاضرٌ هنا بقوة، لأن الشرق الأوسط الجديد لا يُصاغ بالسلاح والسياسة وحدهما، وإنما يُصاغ أيضاً بالفكرة التي تحكم المجال العام. إننا أمام أفقٍ لإقليمٍ متحرر من الراديكاليات ومصدّري خطاب التطرف والكراهية، ومن الأنظمة التي فشلت في صنع التحوّلات، ومن المجتمعات المؤسسة على التعبئة الدينية والقومية. لصالح شرقٍ أوسط تتقدم فيه قيم المدنية، والتنوير، والاعتدال، بوصفها الشروط العليا للأمن والاستقرار والعيش المشترك.
لقد تبدّل معنى النفوذ في الإقليم، فلم يعُد قائماً على من يربك المنطقة، أو من يحتكر الذاكرة والتاريخ، وإنما على من يقدّم تصوراً، ويعرض نموذجاً، ويملك القدرة على التأثير وصناعة المجال الجديد. وفي هذا السياق، تتحرك أبوظبي مع شركائها في الرؤية والتصور والتأثير من داخل هذه الظروف، لا بوصفها عبئاً طارئاً، وإنما بوصفها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المنطقة وفرض تصور أكثر رشداً واتزاناً. وهنا تأتي عبارةُ «أوعد الجميع، سنظهر أقوى» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لتكتسب معناها الأعمق.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


