جريدة الإتحاد - 4/8/2026 11:53:21 PM - GMT (+4 )
في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تَعُد الأزمات مجرد أحداث استثنائية عابرة، بل أصبحت جزءاً من واقع معقّد يتداخل فيه كثير من العوامل، ما يفرض بالضرورة إعادة صياغة جذرية لمفاهيم الاستجابة للطوارئ، بحيث تنتقل من نماذجها التقليدية القائمة على مركزية القرار، لتنفتح على مقاربات أكثر شمولاً ومرونة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب إطلاق مبادرة «شباب أبوظبي للاستجابة للطوارئ» من قِبل مركز إدارة الطوارئ والأزمات والكوارث لإمارة أبوظبي، وبالتعاون مع مجلس أبوظبي للشباب، دلالةً استراتيجيةً تتجاوز بُعدها التنفيذي إلى أبعاد أعمق تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في إدارة المخاطر.تنبع أهمية هذه المبادرة من توقيتها، إذ تتزامن مع مرحلة عالمية تتزايد فيها وتيرة الأزمات غير التقليدية، وهذا الواقع يفرض تبنِّي نهج استباقي قائم على الجاهزية الشاملة، وليس مجرد الاستجابة اللاحقة. ومن هنا، يمكن قراءة المبادرة باعتبارها جزءاً من مسار مؤسَّسي أوسع يستهدف بناء منظومة ديناميكية قادرة على التكيف السريع مع مختلف السيناريوهات، عبر توسيع قاعدة المشاركين في إدارة الأزمات لتشمل فئات المجتمع، وفي مقدمتها الشباب.
وتعكس المبادرة على المستوى المفاهيمي انتقالاً نوعياً في فهم الأمن الشامل، الذي لم يَعُد رهين أُطره التقليدية، بل أصبح مفهوماً متعدد الأبعاد يتقاطع فيه الأمن الصحي والبيئي والتقني والمجتمعي.
ويُشكّل إشراك الشباب ركيزةً أساسية لتعزيز ما يمكن تسميته «الجاهزية المجتمعية الذكية»، التي تقوم على مزيج من الوعي، والمهارة، والقدرة على التحرك المنظّم في أوقات الأزمات. فالشباب، بحكم مرونتهم وقدرتهم على التعلّم السريع والتكيف مع التقنيات الحديثة، يمثّلون عنصراً حاسماً في سدّ الفجوة بين التخطيط النظري والتطبيق الميداني.ويمكن اعتبار المبادرة استثماراً استراتيجياً في رأس المال البشري، يتجاوز البُعد التطوعي إلى بناء قدرات نوعية مستدامة. إذ لا تقتصر مخرجاتها على تأهيل فرق مساندة في حالات الطوارئ، بل تمتد لتشمل تنمية مهارات حيوية مثل إدارة الوقت تحت الضغط، واتخاذ القرار في بيئات غير مستقرة، والتواصل الفعّال في الظروف الحرجة. هذه المهارات تمثّل بدورها رافعةً لتعزيز تنافسية الكفاءات الوطنية في سياقات أوسع، بما في ذلك سوق العمل والابتكار المؤسَّسي.
وفي سياق متصل، تسهم المبادرة في إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع، عبر الانتقال من نموذج «الاستجابة الأحادية» إلى نموذج «الشراكة التفاعلية»، وهذا التحول لا يعزّز فقط كفاءة الاستجابة، بل يرسّخ ثقافة المسؤولية المشتركة، ويعزّز الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف. كما أنه يخلق بيئة أكثر وعياً واستعداداً للتعامل مع الأزمات، حيث يصبح الفرد جزءاً من الحل، لا مجرد متلقٍّ للإجراءات.
ويضع الطابع الطموح المبادرةَ أمام مجموعة من الأولويات التي تتطلب معالجة دقيقة لضمان استدامتها وفاعليتها، ومنها: الحاجة إلى تصميم برامج تدريبية متقدمة تواكب أفضل الممارسات العالمية، وتتكيف في الوقت ذاته مع خصوصية البيئة المحلية. كما تبرز أولوية الحفاظ على استمرارية مشاركة الشباب، وهو ما يستدعي تطوير آليات تحفيزية مبتكرة، وربط المشاركة بمسارات تطوير مهني وشخصي واضحة. ولا يقلّ أهمية عن ذلك، بناء منظومة تقييم دقيقة لقياس الأثر، بما يتيح تحسين الأداء وتوجيه الموارد بكفاءة.
وفي ضوء ما سبق، تفتح المبادرة آفاقاً استشرافية واسعة، إذ يمكن أن تشكل نواة لنموذج متكامل في إدارة الأزمات قائم على «الحوكمة التشاركية»، حيث تتكامل أدوار المؤسسات مع قدرات المجتمع في إطار منظومة مرنة. كما يمكن أن تفتح المجال أمام توظيف التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، في دعم جهود الاستجابة، من خلال تمكين الشباب من استخدام أدوات رقمية متقدمة لرصد المخاطر والتعامل معها بفعالية أكبر. لا يمكن النظر إلى مبادرة «شباب أبوظبي للاستجابة للطوارئ» بوصفها برنامجاً مرحلياً، بل باعتبارها توجّهاً استراتيجياً يجسّد رؤية مستقبلية لبناء مجتمع أكثر جاهزية ومرونة. فهي لا تُعيد تعريف مفهوم الاستجابة فحسب، بل تؤسِّس لتحوّل أعمق يجعل الإنسان، بوعيه ومهاراته، خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، ومحوراً رئيسياً في منظومة الأمن الشامل، وضمانة أساسية لاستدامة الاستقرار، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعاظم المخاطر.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


