حين تُدار الأزمات بعقلية الانتظار.. وتُحسم بإرادة الفعل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في كل أزمة كبرى، لا تُقاس الدول بحجم خطابها، ولا بضجيج مواقفها، بل بقدرتها على قراءة المشهد واتخاذ القرار في الوقت المناسب. فالتاريخ لا يرحم من يراهن على الزمن دون امتلاك أدوات التأثير، ولا يُكافئ من ينتظر الفرصة بدل أن يصنعها.

مع اندلاع الأزمة الأخيرة، اتجهت بعض الأطراف إلى سياسة الترقب، ظناً أن عامل الوقت كفيل بإعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها. لم يكن ذلك الترقب حيادياً بقدر ما كان محاولة لالتقاط اللحظة المناسبة للتدخل وفق شروط يتم رسمها لاحقاً. فتم تأجيل الحسم، وتأخير المواقف، وانتظار أن يأتي الطلب من الخارج، وكأن المبادرة لم تعد خياراً بل ورقة تفاوض مؤجلة.
ومع مرور الأيام، بدأ هذا النهج يتحول إلى محاولة لإعادة التموضع السياسي والاقتصادي، عبر توظيف أدوات الضغط غير المباشر، في مسعى لتعظيم المكاسب من الأزمة. إلا أن ما لم يُحسب بدقة هو أن المشهد لم يكن فارغاً، بل كان يُدار بثبات من أطراف امتلكت وضوح الرؤية وسرعة القرار، دون الحاجة إلى طلب تدخل أو تقديم تنازلات.
وهنا بدأت ملامح الانكشاف التدريجي. فكلما طال الانتظار، تقلصت مساحة التأثير، وتراجعت قيمة الأوراق التي كان يُعتقد أنها مؤثرة. ومع غياب الاستجابة المتوقعة، تحولت الأدوات من الضغط إلى البحث عن دور، ومن موقع المبادرة إلى موقع رد الفعل، وهو تحوّل يعكس خللاً في تقدير الموقف أكثر مما يعكس تغيراً في موازين القوى.
اقتصادياً، لم تكن التداعيات أقل وضوحاً. فتعطّلت مسارات، وتكدست بضائع، وتكبدت قطاعات خسائر ملحوظة، في وقت كانت فيه الحاجة إلى المرونة والتكيف أكبر من أي وقت مضى. وعندما يتحدث الاقتصاد، تتضح الحقائق بعيداً عن الخطاب، لأن الأسواق لا تُجامل، بل تعكس الواقع كما هو.
واليوم، ومع إعلان وقف مؤقت للحرب، تتجلى الحقيقة الأكثر وضوحاً: من كان يراهن على إطالة أمد الأزمة لإعادة ترتيب أوراقه، وجد نفسه أمام واقع جديد لم يُصمَّم وفق حساباته. فالهدنة لم تمنح الفرصة لمن انتظر، بل كرّست نتائج من تحرّك في الوقت المناسب، وأثبتت أن من يتأخر في اتخاذ القرار، يتأخر في حجز موقعه في معادلة ما بعد الأزمة.

وفي المقابل، برز نموذج مختلف في إدارة الأزمات، قائم على الجاهزية، وسرعة القرار، والتماسك الداخلي. نموذج أثبت أن الدول لا تُقاس بمساحتها أو عدد سكانها، بل بكفاءة مؤسساتها وقدرتها على حماية مصالحها بثقة واستباقية. وفي هذا السياق، أكدت دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات، أن الاستعداد ليس خياراً، بل نهجاً راسخاً، وأن حماية المكتسبات تتطلب وضوحاً في القرار وسرعة في الفعل، لا انتظاراً لمعادلات تُفرض من الخارج.
الدرس الأهم أن إدارة الأزمات ليست فن الانتظار، بل فن التوقيت. وليست في جمع الأوراق، بل في معرفة متى وكيف تُستخدم. فالدول التي تُجيد قراءة اللحظة، وتملك قرارها، هي وحدها القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، أما من يخطئ التقدير، فإنه يجد نفسه خارج المعادلة، مهما امتلك من أدوات.
وفي عالم سريع التحول، لم يعد هناك مكان لمن ينتظر دوره.. لأن الأدوار تُصنع ولا تُمنح.

*لواء ركن طيار متقاعد.



إقرأ المزيد