الإمارات.. مرجع نفسها ومعيار غيرها
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في زمن تتلاشى فيه الرمادية… تفرض الإمارات معادلتها.
ذهبت بعض المنصات الإعلامية بعيداً في تفسير موقف دولة الإمارات، متجاهلةً سياقه، أو محمِّلةً إياه ما لا يعكس جوهره. غير أن هذا النهج لا يغيّر من الحقيقة: موقف دولة الإمارات واضح وثابت، ولا يحتمل التأويل.

فالدفاع عن السيادة ممارسة قبل أن يكون خطاباً، والاستقرار نهج قبل أن يكون خياراً… والإمارات لا تحتاج إلى قوله، لأنها تُثبته، ومن يعاديها أول من يدركه.
خلال أكثر من 41 يوماً، تعرضت دولة الإمارات لأكثر من 2819 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في اعتداءات إرهابية إيرانية غاشمة استهدفت البنية التحتية والمناطق المدنية، من مطارات وموانئ إلى منشآت نفطية وسياحية ومرافق حيوية. وخلف هذه الأرقام، خسائر بشرية مؤلمة ومئات المصابين. واقع يؤكد أن ما يجري يتجاوز كونه تصعيداً عابراً، ليكشف سلوكاً عدوانياً إرهابياً لا يميّز بين هدف وآخر، وحقداً دفيناً… ونارُ الحقد لا تحرق إلا صاحبها.
ولم تكن هذه الاعتداءات مجرد أرقام، بل نمطاً تصعيدياً يفرض مقاربة شاملة. فمعالجة التهديدات الإرهابية الإيرانية لا يمكن أن تكون جزئية، بل تتطلب إطاراً متكاملاً يشمل القدرات النووية، والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، والقدرات العسكرية، ووكلاءها في المنطقة، إضافة إلى وقف التهديدات التي تستهدف حرية الملاحة، والحرب الاقتصادية، والقرصنة في مضيق هرمز.

‎لسنوات مضت، كان الحديث عن سيناريوهات الحرب الإيرانية الشاملة يُطرح في إطار الافتراضات القصوى، باعتباره التحدي الأشد الذي قد تواجهه الدولة. غير أن ما نشهده اليوم يؤكد أن حتى أكثر السيناريوهات تعقيداً لم تكن خارج نطاق استعداد دولة مثل الإمارات، بقيادة سيدي صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله. ففي لحظة اختُبرت فيها أقسى الفرضيات، برزت حقيقة مختلفة: قدرة عالية على التكيّف، ومرونة مؤسسية، وجاهزية لم تقتصر على الاحتواء، بل امتدت إلى ضمان استمرارية الحياة بثبات، تأكيداً على نموذج قادر على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى عناصر قوة.

 وتأكيداً على هذه الجاهزية، برزت منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وتنسيق مؤسسي عالي الكفاءة، واستجابة دقيقة، عكست جميعها نموذجاً متقدماً لدولة لا تنتظر التهديد… بل تستبق مخاطره.
‎وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن فصل الأمن الوطني عن الأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع ما شهده مضيق هرمز من تهديدات متصاعدة طالت أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح ساحة اختبار لإرادة المجتمع الدولي في حماية حرية الملاحة.
إن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط أو أداة ابتزاز اقتصادي يمثل حرباً اقتصادية وقرصنة وسلوكاً مرفوضاً، يتجاوز حدود المنطقة ليهدد استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. وما شهدناه من تعطيل وتهديد لحركة الملاحة يؤكد أن التصدي لهذا المسار لم يعد خياراً… بل ضرورة دولية عاجلة.

‎وانطلاقاً من ذلك، فإن تحميل إيران كامل تبعات أي تعطيل للممرات الحيوية ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل التزام بسيادة القانون الدولي وحماية للتجارة العالمية، أكدت عليه الإمارات بوضوح.

وفي هذا السياق، تتابع دولة الإمارات إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أهمية وضوح بنوده بما يضمن وقفاً فعلياً للأعمال العدائية، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط. غير أن هذه التطورات لا تلغي حقيقة أساسية: حجم الاعتداءات التي استهدفت البنية التحتية والمواقع المدنية خلال الأسابيع الماضية يستدعي مواقف حازمة تقوم على المساءلة، والتعويض، ومنع التكرار.

‎وتؤكد دولة الإمارات أنها لم تكن طرفاً في هذه الحرب، بل عملت على منعها عبر تحركات دبلوماسية مكثفة للحيلولة دون وقوعها، شملت قنوات ثنائية وتحركات عبر مجلس التعاون الخليجي، لكنها في الوقت ذاته تمكنت من حماية سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية بكل قوة وحزم.

 وتثمن دولة الإمارات التضامن الدولي الواسع، الذي يزداد يوماً بعد يوم، تقديراً لقيم الدولة التي كرّست مواردها وجهودها لخدمة الإنسان أينما كان. هذا التضامن يعكس مكانة دولة الإمارات المتجذرة عبر عقود من العمل الدبلوماسي المسؤول، وترسيخ الشراكات الدولية، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي. والإمارات لا تنسى من وقف معها… كما لا تغفل عمّن اختار الصمت، أو التأخر، أو الغياب.

‎وتكتسب المبادرات الإقليمية أهمية خاصة، بما في ذلك مشروع القرار الذي تقدمت به مملكة البحرين الشقيقة إلى مجلس الأمن، في خطوة تعكس حجم القلق الإقليمي، وتؤكد أن استمرار هذا السلوك لم يعد مقبولاً أو قابلاً للاحتواء.

غير أن تعثّر هذا المسار يكشف خللاً مقلقاً في استجابة المجتمع الدولي، حيث أعربت دولة الإمارات عن خيبة أمل عميقة إزاء إخفاق مجلس الأمن في اتخاذ إجراء حاسم لمعالجة التداعيات العالمية الخطيرة الناجمة عن الإغلاق غير القانوني لمضيق هرمز من قبل إيران، وعدم اعتماد مشروع القرار الرامي إلى حماية حرية الملاحة في المضيق.

‎إن هذا الإخفاق لا يعكس فقط تعطلاً في آليات التحرك الدولي، بل يبعث برسائل خطيرة بشأن قدرة النظام الدولي على فرض قواعده، ويمنح مساحة لمزيد من التصعيد وتقويض أمن الممرات الاستراتيجية، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى مواقف دولية أكثر حزماً.

لذلك، تؤكد دولة الإمارات ضرورة اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته الكاملة من خلال إجراءات حازمة تضمن وقف الاعتداءات وردع أي تهديد مستقبلي.

‎وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد مقبولاً الاختباء خلف المواقف الرمادية. فقد ولى زمن المجاملات، ولم يعد بين الأبيض والأسود، ولا بين الصواب والخطأ، موضعٌ للاختباء. المرحلة تفرض وضوحاً كاملاً ومواقف حاسمة، تعكس إدراكاً جماعياً لخطورة اللحظة، وتؤسس لتحرك دولي أكثر جدية في مواجهة مصادر التهديد، بما يضمن استقراراً مستداماً للمنطقة.

وفي موازاة هذه الصلابة، تظل القناعة راسخة بأن الحل السياسي الشامل هو الضامن الوحيد للاستقرار، فأنصاف الحلول لا تُنهي الأزمات… وأنصاف الحلفاء لا يصنعون استقراراً. ومن هنا، فإن أي مسار سياسي يتطلب ضمانات ملزمة تمنع تكرار الاعتداء، وتحمل المسؤولية عن الخسائر، والالتزام بالقانون الدولي.

‎وفي هذا السياق، تظل رسالة دولة الإمارات حاسمة: لا رضوخ للابتزاز الإرهابي، ولا شرعية لأي تهديد.
قد يختلف التفسير، وقد تتباين القراءات، لكن الوقائع لا تنتظر إجماعاً.

الإمارات… مرجع نفسها، ومعيار غيرها، تُعيد ترتيب من يواكبها… وخاسرٌ من يتأخر عنها. 
* مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي بوزارة الخارجية.



إقرأ المزيد