جريدة الإتحاد - 4/9/2026 11:33:28 PM - GMT (+4 )
من خلال شنّه الحرب على إيران، قد يتحوّل الرئيس دونالد ترامب، الذي أبدى عداءً صريحاً للتحول إلى الطاقة النظيفة، دون قصد، إلى أحد أكبر حلفائها.
في فعالية أقيمت في البيت الأبيض الأسبوع الماضي للكشف عن مبادرات زراعية جديدة (وموقع إلكتروني يحمل اسم «المزارع فقط» OnlyFarms)، هاجم ترامب بشدة اللوائح البيئية التي قال إنها ألحقت ضرراً بالغاً بالمزارعين وبالبلاد. وقال: «دعاة حماية البيئة، أعني أنهم إرهابيون. لقد كانوا إرهابيين. أسميهم الإرهابيين البيئيين».
وبينما كان يتحدث، كانت عشرات حقول النفط والغاز، وخطوط الأنابيب، والمصافي، ومحطات التصدير متضررة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، نتيجة الحرب التي شنّها ترامب وإسرائيل قبل أكثر من شهر. وستستغرق هذه البنية التحتية سنوات لإعادة تأهيلها بالكامل.
وردّت إيران على الحرب بتشديد قبضتها على مضيق هرمز، ما أدى إلى قطع أكثر من 20 مليون برميل يومياً من إمدادات النفط والمنتجات المكررة عالمياً، بحسب زميلي في «بلومبيرج أوبينيون» خافيير بلاس، فضلاً عن خُمس إمدادات العالم من الغاز الطبيعي المسال. وقد ساهمت عمليات إطلاق المخزونات النفطية، وتحويل مسار النفط عبر خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر، وغيرها من التدابير الطارئة، في سدّ جزء من هذا النقص. إلا أن العالم لا يزال يعاني من عجز بنحو 12 مليون برميل يومياً من الوقود الذي اعتاد عليه اقتصاده.
الآن يفترض وجود هدنة تمتد لأسبوعين، لكن إذا طال أمد الحرب، ازدادت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن فقدان هذه البراميل. وبعد أن تستنفد الحكومات تدابير الإغاثة الطارئة، تتمثّل الاستراتيجية التالية في تقليص الطلب على النفط. وقد بدأت هذه العملية بالفعل في اقتصادات آسيوية وأفريقية تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط. فقد أعلنت الفلبين أسبوع عمل من أربعة أيام، ويشاهد الباكستانيون مباريات الكريكيت على التلفاز بدلاً من الذهاب إلى الملاعب، بينما يفرض جنوب السودان تقنيناً للكهرباء.
وكما هو الحال مع انخفاض الطلب وتراجع الاستهلاك الذي صاحب تفشي جائحة كوفيد-19، سيتفاقم هذا الوضع وينتشر في جميع أنحاء العالم طالما استمر السبب المباشر - وهو في هذه الحالة صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب مع إيران. ويكمن الخطر في حدوث ركود عالمي جديد.
ومثلما كان الانخفاض المؤقت في النشاط الاقتصادي وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسبب جائحة كوفيد-19، فإن تأثير الحرب الإيرانية على الطلب على الطاقة لن يكون دائماً، ما لم نتفق جميعاً على العيش في اقتصاد يعتمد على عربات تجرها الحمير. وطالما أن النفط والغاز لا يزالان شحيحين، فإن الخطوة التالية هي أن يبحث الأفراد والحكومات عن بدائل للطاقة.
في كثير من الحالات، وللأسف، سيعودون إلى حرق الفحم، الذي لا يزال وقوداً متوفراً ومحلياً. ولكن في حالات أخرى كثيرة، سيتجهون إلى مصادر الطاقة المتجددة التي تتزايد بشكل كبير في جميع أنحاء العالم. وتتوفر هذه المصادر بكميات أكبر بكثير، وبأسعار أرخص بكثير، مما كانت عليه خلال أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، والتي صدمت العالم لأول مرة وجعلته يدرك الحاجة إلى بدائل. ومن المؤكد أن الأمن الاقتصادي الذي توفره مصادر الطاقة المتجددة في عالمٍ يسوده عدم الاستقرار الجيوسياسي سيُبشّر بموجة جديدة من الاستثمارات في هذا القطاع في الاقتصادات الفقيرة بالوقود الأحفوري.
وصرح «جيف كوري»، كبير مسؤولي استراتيجية مسارات الطاقة في مجموعة «كارلايل»، لوكالة بلومبيرج: «الرسالة الأساسية هي أننا سنُجبر على التحول في مجال الطاقة بطريقة مؤلمة للغاية، وستحدث بسرعة كبيرة».
لا يمكن أن تكون هذه هي النتيجة التي توقعها ترامب أو أرادها عندما شنّ هذه الحرب. فبدلاً من مجرد توجيه الشتائم للمدافعين عن البيئة، أمضى السنة الأولى من رئاسته في مهاجمة اللوائح البيئية والطاقة النظيفة وعلوم المناخ بشراسة. ويُردد جميع أعضاء حكومته نفس المبدأ، وهو أن انبعاثات الكربون ليست مشكلة، وأن الطاقة النظيفة مضيعة للمال تجعل الطاقة بأكملها باهظة الثمن.
والمفارقة أن حرب ترامب كشفت عن مدى ارتفاع تكلفة الوقود الأحفوري، وعن صعوبة تحقيق «هيمنة الطاقة» التي يطمح إليها طالما بقيت الدولة مُرتبطة بالوقود المتداول عالمياً.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


