جهود متواصلة لدعم مؤسسات التعليم العالي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في خطوة نوعية جديدة لتعزيز أداء مؤسسات التعليم العالي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبما يرسّخ التركيز على جودة المخرجات والمهارات المكتسبة، أطلقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي النسخة المُحدّثة من دليل الجامعات بشأن إطار التقييم القائم على المخرجات، الذي يهدف إلى تحقيق التميز المؤسسي المستدام، ضمن منظومة ترتكز على الكفاءة، والابتكار، ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.يتأسّس هذا الإطار على منظومة متكاملة من 24 مؤشراً رئيسياً للأداء، جرى توزيعها بعناية على 6 معايير محورية، وتتصدر مخرجات التوظيف ومخرجات التعلم قائمة الأولويات بوزن نسبي يبلغ 25% لكل منهما، في دلالة واضحة على التركيز المزدوج على جاهزية الخريجين وجودة العملية التعليمية. يلي ذلك معيار التعاون مع الشركاء بنسبة 20%، بما يعكس أهمية تعزيز التكامل مع القطاعات ذات الصلة. أما مخرجات البحث العلمي فتحظى بنسبة 15%، تأكيداً على دور المعرفة في دعم الابتكار والتطوير، في حين تُخصّص نسبة 10% للسمعة المؤسسية باعتبارها مؤشراً تراكمياً يعكس جودة الأداء واستدامته. وتُستكمل هذه المنظومة بمعيار المشاركة المجتمعية بنسبة 5%، بما يبرز المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة.
ولعله من المهم التأكيد على أن توزيع الأوزان على المعايير الستة الرئيسة، ولا سيما تخصيص 50% مجتمعة لمخرجات التوظيف والتعلم، يكشف عن توجه صريح نحو ترسيخ أولوية قياس العائد الفعلي للعملية التعليمية. إذ لم يعُد تقييم المؤسسات يُبنى على مجرد تقديم برامج أكاديمية تقليدية، بل بات مرهوناً بقدرتها على إنتاج مخرجات نوعية تتمثل في كوادر بشرية مؤهلة، قابلة للتوظيف، وتمتلك مرونة التكيف مع تحولات الاقتصاد المعاصر. 
وفي الواقع، فإن إطلاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الإطار المحدّث لتقييم مؤسسات التعليم العالي يجسّد تحوّلاً نوعياً في فلسفة الحوكمة التعليمية، إذ ينتقل بثقل الاهتمام من نموذج يركّز على المدخلات، إلى نموذج يستند إلى قياس المخرجات والقيمة الفعلية المتحققة من العملية التعليمية. ولا يقتصر هذا التحول على كونه تحديثاً تقنياً لأدوات القياس، بل ينطوي على إعادة صياغة لوظيفة الجامعة ودورها، بحيث لم تعُد مجرد فضاء لإنتاج المعرفة، بل أصبحت فاعلاً اقتصادياً واجتماعياً مؤثراً، تتحدد فاعليته بمدى ارتباطه العضوي بسوق العمل وقدرته على الاستجابة لتحولاته المتسارعة. وفي هذا السياق، يغدو تقييم الأداء التعليمي مرهوناً بمدى مساهمة المؤسسات في إعداد رأسمال بشري قادر على الابتكار، بما يعزّز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومما لا شك فيه أن الإطار المحدّث لتقييم مؤسسات التعليم العالي يؤكد دخول الجامعات في الإمارات مرحلةً متقدمة من إعادة الهيكلة المؤسسية، تمتد لتطال المناهج الدراسية، وأساليب التدريس، وآليات التقييم، فضلاً عن نماذج الحوكمة الداخلية. فالإطار الجديد لا يقتصر على فرض معايير قياس للأداء، بل يتجاوز ذلك ليعيد توجيه سلوك المؤسسات التعليمية ذاتها، دافعاً إياها نحو تبنّي أنماط أكثر مرونة وديناميكية، وقدرة على الاستجابة لمتطلبات البيئة الاقتصادية والمعرفية المتغيرة. 
وفي بعده الأوسع، يعكس الإطار المحدّث لتقييم مؤسسات التعليم العالي رؤية استراتيجية تسعى إلى سد الفجوة بين التعليم والاقتصاد، وتعزيز الثقة في مخرجات التعليم العالي. فربط الجامعات بسوق العمل، وتحفيز الابتكار، وتبني الذكاء الاصطناعي، كلها عناصر تصب في بناء اقتصاد معرفي مستدام، يمكن أن يشكل بديلاً طويل الأمد لمصادر الثروة التقليدية. ولا يمكن قراءة هذا الإطار كأداة تقييم فحسب، بل كجزء من مشروع وطني أوسع لإعادة تعريف دور التعليم في التنمية، وتحويله إلى محرك رئيسي للابتكار والتنافسية في دولة الإمارات.
في الختام، لا يمكن النظر إلى الإطار المحدّث لتقييم مؤسسات التعليم العالي بوصفه مجرد أداة تنظيمية مرحلية، بل كمدخل استراتيجي لإعادة تشكيل الحوكمة المستقبلية للمؤسسات التعليمية، بما يعزز ريادة الإمارات في مجال التعليم العالي، ومن شأن هذا التوجه أن يسد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الواقع العملي، ويعيد ترسيخ الثقة في هذه المؤسسات بوصفها حاضنات حقيقية لإعداد رأسمال بشري قادر على التفاعل مع تحديات المستقبل.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد