الهند وأزمة الطاقة في جنوب آسيا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لطالما كانت سياسة نيودلهي حيال الجوار الهندي مركزةً وتشكل ضوءاً هادياً لسياستها الخارجية. وفي أوقات الأزمات قد تصبح هذه السياسة أكثر وضوحاً، فتبرِز الدورَ المهم الذي تلعبه الهندُ في منطقة جنوب آسيا بأكملها.
أزمة الطاقة الحالية هي مثال على «سياسة الجوار أولاً» لدى الهند، التي تساعد جيرانَها وتعود عليهم بالنفع. وقد أصبحت الهند شريان حياة مهم لتزويد دول مثل بنغلاديش وسريلانكا وجزر المالديف بالديزل والوقود. وكانت بالفعل تزود بنجلاديش ونيبال وبوتان وسريلانكا بالوقود من خلال ترتيبات تجارية. ووفقاً لوزارة الخارجية الهندية، فقد دخلتْ الهندُ في مناقشات مع جزر موريشيوس وسيشيل في المحيط الهندي لتلبية احتياجات هذه الدول من الطاقة.
 وكانت العلاقات بين الهند وبنغلاديش في السابق متينة ومثالاً لسياسة حُسن الجوار في الجنوب الآسيوي، لكنها تدهورت إلى أسوأ حالاتها منذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة في عام 2024 عقب انتفاضة شعبية. إلا أن العلاقات بين البلدين الجارين أعادت ضبط نفسها بالكامل بعد الانتخابات الأخيرة التي حقق فيها «حزب القوميين البنغالي» فوزاً ساحقاً وانتُخب زعيمه طارق الرحمن رئيساً جديداً للحكومة البنغالية. والمساعدة التي قدمتها الهند في الوقت المناسب لبنغلاديش، تؤكد كيف أنه لا يمكن للجيران السماح لعلاقتهم بالتراجع إلى ما بعد نقطة معينة. وأكدت المساعدة الهندية في الوقت المناسب كيف تظل نيودلهي مزوِّداً استراتيجياً للجوار في أوقات الأزمات.
كما لجأت إلى الهند، طلباً للمساعدة، دول أخرى مجاورة تأثرت هي أيضاً بإغلاق مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه وجدت سبلَ الحصول على طاقتها من مصادر مختلفة. وبالطبع، فإنه إذا استمرت الإجراءات الإيرانية العدوانية غير المبررة، فستصبح أيضاً مشكلة كبيرة للهند نفسها، وذلك لأن لديها احتياجات كبيرة في مجال الطاقة. ووسط الأزمة الحالية، بدأت مصافي الهند أيضاً في استيراد النفط من مصادر أخرى، بعد إعفاء مؤقت من العقوبات الأميركية على واردات الطاقة من روسيا. 
وتؤكد الأزمة الحالية، والعدوانيات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، كيف أن مثل هذه الصراعات تحتجز الاقتصاد العالمي بأسره كرهينة. لقد أثّرت جرائم إيران على البنية التحتية المدنية وأصول الطاقة لدول الخليج العربية، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في صدمة سلاسل إمدادات الطاقة، ودفع الدولَ للبحث عن مصادر بديلة، ومحاولة التخفيف من آثار ارتفاع أسعار النفط.
وفي الوقت نفسه، قامت الهندُ أيضاً بتقديم المساعدات لدول أخرى، حيث أرسلت 38000 طن متري من البنزين وغيره من الوقود إلى سريلانكا في مارس الماضي عقب محادثة بين رئيس الوزراء ناريندرا مودي والرئيس السريلانكي أنورا كومارا ديسانايكي. وتضمّنت شحنة النفط 20000 طن متري من الديزل و18000 طن متري من البنزين. ولم تسطع سريلانكا الحصول على الإمدادات من غرب آسيا وسنغافورة. وقد حُظيّ هذا الدعم الذي قدمته الهند بإشادة من نواب البرلمان السريلانكي الذين أثنوا على سياسة الهند «الجوار أولا».
وبالمثل، طلبت دول أخرى من الهند الحصولَ على احتياجاتها من الطاقة، حيث طلبت جزر المالديف إمدادات وقود إضافية، وهي دولة تعتمد بالكامل على الوقود الأحفوري المستورد، وخاصة الديزل، لتلبية الطلب على الطاقة. 
وقد عملت الهند بوصفها «مستجيبة أولى» وداعمة حاسمة لسريلانكا في مناسبات عديدة، بما في ذلك خلال الانهيار الاقتصادي في عام 2022، حيث قدّمت الهندُ أكثر من 4 مليارات دولار كمساعدات مالية، بالإضافة إلى مبادلات العملات وخطوط الائتمان.. لمنع الإغلاق الكامل.
 ومع ذلك، من المتوقع أن تعزّز أزمةُ الطاقة الحالية العلاقاتِ بين دول جنوب آسيا بشكل أكبر، حيث ترسخ الهندُ علاقاتِها في مجال الطاقة من خلال مشاريع مهمة، مثل تلك التي أُقيمت في ترينكومالي مع سريلانكا. كما أن هناك جهود هندية لتحسين روابط الطاقة وتوسيعها إلى ما هو أبعد من الجوار المباشر. وتعمل الهند على تعميق التعاون في هذا المجال مع دول جنوب آسيا، والاستفادة من الطاقة الكهرومائية من نيبال وبوتان، مع التفكير في ربط شبكة سريلانكا بشبكة الكهرباء الهندية لإنشاء شبكة كهرباء أوسع في جنوب آسيا.
 وفي يونيو من العام الماضي، بدأت نيبال بيع ما يصل 40 ميغاوات من الكهرباء (التي يتم إنتاجها عبر السدود) يومياً إلى بنجلاديش، عبر شبكة الكهرباء الهندية، مما يمثل أول تعاون ثلاثي في هذا المجال في جنوب آسيا. وبموجب اتفاق بين هذه الدول، ستزود نيبال بنجلاديش بالكهرباء من 15 يونيو إلى 15 نوفمبر من كل عام لمدة خمس سنوات. 
 وبينما تؤدي حالة الطوارئ الفورية إلى مساعدة الهند لدول جوارها، من المتوقع أيضاً أن تعزز الأزمة الحالية التعاونَ في مجال الطاقة بين الدول المختلفة.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي



إقرأ المزيد