جريدة الإتحاد - 5/7/2026 12:47:09 AM - GMT (+4 )
لم تكن إصابة الفتى المعجزة لامين يامال، مجرد خبرٍ عابرٍ في نشرات الأخبار، بل كانت جرسَ إنذارٍ دوّى في وجه كرة القدم الحديثة، وهي تواصل استهلاك مواهبها الصغيرة بشراهة لا ترحم. ضربة في العضلة الخلفية أنهت موسم جوهرة برشلونة مبكراً، وفتحت باب القلق واسعاً في إسبانيا، التي ترى في الفتى الذهبي من أصول مغربية، أحد الأقمار التي ستضيء طريقها خلال كأس العالم 2026، على أمل أن يجلب لها اللقب المونديالي، بعد أن نجح في جلب لقب أوروبا وهو في عمر الزهور.
لامين يامال، الذي لم يبلغ بعد سن النضج الكروي الكامل، وجد نفسه منذ وقت مبكر في قلب العاصفة، مباريات لا عدّ ولا حصر لها، منافسون لا يرحمون كل صاحب موهبة، ضغط نفسي يكبر ويكبر، ومسؤوليات تتجاوز بكثير عمره الصغير. موهبة استثنائية تُعامل وكأنها آلة لا تتعب، وكأن الجسد الصغير قادر على تحمّل ما تعجز عنه الأجساد التي نضجت على نار التجربة والسنين.
هذه ليست المرة الأولى التي يأكل فيها الإيقاع المجنون لكرة القدم أبناءه الموهوبين. قبل يامال، دفع زميله في برشلونة بيدري، ضريبة الإفراط في اللعب، وتاه الشاب الملهم أنسو فاتي بين الإصابات ومحاولات العودة، بينما ذاق غافي مرارة التوقف القسري وهو في عزّ الاندفاع. مواهب وُلدت لتصنع الفارق، لكنها وُضعت تحت حِمل يفوق قدرتها الطبيعية على الاحتمال، فاحترقت أو كادت.
المعضلة ليست في منح الشباب فرصة التألق مبكراً، فذاك تقليد يعمل به في برشلونة، حيث لا تتوقف «لاماسيا» عن إنتاج الخوارق البشرية وإلغاء سلّم التدرج الطبيعي، بل في غياب الحكمة في تدبير هذا التألق. أن تمنح موهبة دقائقها الأولى شيء جميل، لكن أن تحوّلها إلى رئة لا تتوقف عن التنفس، وقلب لا يهدأ عن الخفقان، فذلك استنزاف مقنّع بثوب الثقة، شروع غير معلن في إطفاء الموهبة.
يامال، الذي خاض هذا الموسم عدداً هائلاً من الدقائق مع برشلونة ومنتخب لاروخا، لم يكن بحاجة إلى خوض كل المعارك، ولا إلى حمل كل الأثقال على كتفيه النحيلتين. كان يحتاج فقط إلى من يقول له: توقّف قليلاً… حتى تستمر طويلاً.
كرة القدم اليوم مطالبة بأن تعيد النظر في علاقتها بمواهبها الصغيرة. لأن العبقرية حين تُرهق مبكراً، قد تفقد بريقها سريعاً. ولأن النجوم لا تُصنع فقط باللعب المتواصل، بل تُصنع أيضاً بالرعاية، والحماية، وبالقدرة على قول: ليس كل شيء الآن… حتى يبقى الأجمل للغد.
لم تكن إصابة لامين يامال، إصابة عضلة أنهكها الإفراط في الاستعمال، بل كانت إصابة فكرة ومعتقد، فكرة أن هؤلاء العباقرة الصغار آلات تدور بلا توقف.
إقرأ المزيد


