جريدة الإتحاد - 5/7/2026 11:54:38 PM - GMT (+4 )
في كتاب «قصة العلوم» للمؤرخ البريطاني بيل بريسون، يسجل رئيس جمعية العلوم الملكية اللورد «ريس» النظرية التالية: «تكوّنت الشمس قبل 4.5 مليار سنة، ولا تزال أمامها 6 مليارات سنة أخرى للحياة قبل أن تنطفئ. المخلوقات التي سوف تشهد انطفاءَ الشمس، سواء هنا على سطح الكرة الأرضية أم على غيرها من الكواكب والعوالم الأخرى، لن تكون على شاكلتنا البشرية». سوف تكون هذه المخلوقات مختلفةً عنّا، كما نختلف نحن اليوم عن الحيوانات المجهرية البكتيرية».
انبثقت العلوم الحديثة بالمعنى المتعارف عليه اليوم قبل أكثر من 350 عاماً، وذلك مع تجمّع عددٍ من العلماء في العاصمة البريطانية لندن. كان من أبرز المشاركين «كريستوفر راين»، عالِم الفضاء الذي صمّم وأشرفَ على بناء كاتدرائية القديس بطرس في المدينة، وتشكّل الكاتدرائية حتى اليوم معلَماً من أبرز المعالم التاريخية في العاصمة البريطانية.
وقد أدّى الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون (من القرن السابع عشر) دوراً أساسياً في إيجاد القاعدة العلمية التي شجعت هؤلاء العلماء الإنجليز فيما بعد على الاجتماع دورياً لتبادل الآراء والأفكار والنظريات العلمية، حتى شكّلوا النواة الأولى لما بات يُعرف باسم «الجمعية الملكية للعلوم». فالفكر التأسيسي لبيكون يقوم على التجرية العملية لإثبات صحة أي اكتشاف أو أي نظرية علمية جديدة. التزم أعضاءُ الجمعية بهذا المبدأ، أي التجربة كأساس لإثبات صحة النظريات العلمية المستحدثة. وبعد أن أكدّت الجمعية جدارتَها العلمية، منحها الملك تشارلز الثاني اللقبَ الملكي الذي تحتفظ به حتى اليوم.
سبقت قيامَ الجمعية الملكية البريطانية مساهماتٌ عديدة أخرى في مسار تَكوُّن الثقافة العلمية التي رفعت -ولا تزال ترفع- من مستوى إنسانية الإنسان:
اكتشاف البابليين في العراق القديم العلومَ الحسابية ووضع نظام لتتبّع مواقع النجوم.
اكتشاف اليونانيين علمَ المنطق والفلسفة (أرسطو، وأفلاطون.. إلخ).
اكتشاف المسلمين علومَ الفضاء والطبّ.
اكتشاف الصينيين الورقَ والمتفجرات.
لم تُضف الجمعية الملكية البريطانية جديداً إلى هذه الاكتشافات العلمية التي أضاءت الدنيا بمصابيح المعرفة، لكنها أرست قبل 350 عاماً قاعدةَ البحث العلمي التجريبي لإثبات صحة أية نظرية علمية جديدة، وهي قاعدة معتمدة حتى اليوم.
إن اكتشاف العلاج لأمراض عانت منها الإنسانية طويلاً، مثل الجدري وشلل الأطفال والسلّ وغيرها من الأمراض الجرثومية التي لا تُرى بالعين المجردة، ما كان ليتحقق ولتَثبُت جدواه لولا إخضاعه للتجربة. وكم من عالِم مكتشف أجرى التجربةَ الأولى على نفسه أو على أفراد من عائلته.
أول تلسكوب في التاريخ صنعه العالم البريطاني الشهير إسحاق نيوتن (عاش في القرنين السابع عشر والثامن عشر) بنفسه. ومن نيوتن إلى «إدوين بويل هابل» (عالم فضاء أميركي عاش في النصف الأول من القرن العشرين) تعرّف الإنسان على القدرة الإلهية وقد تجلّت في خلق الكون بما فيه من نجوم ومجرّات لا تُعدّ ولا تُحصى. ولعل من أهم ما تعرّف عليه الإنسان هو أن الكون في توسّع دائم، أي كما يقول القرآن الكريم: «وإنا لموسعون»، وأن كلَّ ما في الكون - من الذرّة إلى المجرّة - في حركة دائمة: «لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلّ في فلك يسبحون».
في ضوء هذه الوقائع العلمية نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء»، بمعنى أن العلماء، بعملهم على اكتشاف أسرار الكون، يضيئون أمام الناس طريق التعرّف على عظمة الله الواحد الخالق.
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


