جريدة الإتحاد - 5/8/2026 11:54:46 PM - GMT (+4 )
لم يكن ابن خلدون وهو يحلل دورة حياة الدول وعوامل فنائها، ويخطّ مقدمته الشهيرة في قلعة بني سلامة في القرن الرابع عشر، يتخيل أن نظريته عن «العمران البشري» ستظل صالحة لتفسير صراعات عالمية النطاق، كثيرة الخصوم، تدور خلف شاشات زجاجية، تُشغِّلها رقائق سيليكونية وأزرار ونقرات. فـ «المقدمة»، وهي العمل الذي يمكن القول، إنه وضع أسس علم الاجتماع والتأريخ الحديثين، كانت تشرح مفهوماً جوهرياً هو «مفهوم العصبية»، الذي يمكن ترجمته بمصطلحات عصرنا إلى «التماسك الاجتماعي» أو «التضامن الجماعي» أو «الوعي القبلي». بالنسبة لابن خلدون، كانت العصبية هي الرابط الخفي الذي مكّن جماعة من الناس من ممارسة السلطة، وقهر المنافسين، وبناء الحضارات. والفكرة المركزية التي قامت عليها إمبراطوريات الماضي -وهي العصبية- لم تندثر مع زوال قبائل ذلك الزمان، بل تغيرت بتغير الحضارات وتطورت بتطورها، إلى أن انتقلت في هذا العصر من جغرافيا الأرض إلى جغرافيا الألياف الضوئية.
اليوم، وفي عصر «وادي السيليكون»، تُعاد صياغة الروابط البشرية عبر الخوارزميات، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نعيش في ظل عصبية رقمية جديدة تعيد تشكيل مفهومي الدولة والمجتمع؟ أم أننا بصدد «بداوة إلكترونية» ستهدم أركان الاستقرار التقليدي؟ فالخطر الذي نواجهه اليوم ليس تطور التكنولوجيا المتسارع كما يُخيَّل لكثيرين، بل أننا صرنا نمتلك تقنيات عبقرية، ولكننا ما زلنا نتحرك بـ «غرائز قبائل» العصور الوسطى ذاتها! في المنظور الخلدوني، كانت العصبية هي الملاط الذي يمسك لبنات المجتمع. لكن في عصر «وادي السيليكون»، تحولت العصبية إلى أداة «تفتيت» لا «تجميع».
الخوارزميات اليوم لا تجمعنا كبشر، بل تعزلنا في «قبائل رقمية» متنابذة، أدت إلى تآكل مفهوم «المواطنة» لصالح «الهوية الضيقة». لم يعد الفرد ينتمي لمنظومة قيم وطنية أو إنسانية كبرى، بل صار جندياً في عصبية افتراضية يغذيها الحقد على القبيلة الرقمية الأخرى، أو حتى على أي فرد يختار طريقاً مختلفاً ويحلق ولو قليلاً خارج سرب ما تتبناه قبيلته الرقمية من أفكار ومعتقدات، مهما كانت بالية أو إقصائية أو انغلاقية، الأمر الذي يقودنا بشكل متسارع نحو المزيد من التشظي وتحوُّل المجتمع إلى جزر معزولة من الكراهية المتبادلة. لقد انقلبت المنصات الاجتماعية إلى ساحات «غزو معنوي».
فبدلاً من السيف والخيل، تستخدم القبائل الرقمية «ثقافة الإلغاء» (Cancel Culture) والتشهير الجماعي كأدوات للفتك بالخصوم. هذه الغرائز البدائية التي كانت تحكم صراعات العصور الوسطى على الموارد، تلبس اليوم ثوب «الدفاع عن الفضيلة» أو «نصرة القضية». والخطر يكمن في ممارسة أبشع أنواع الإقصاء والتطرف تحت غطاء تكنولوجي فائق التطور، وهو ما يعزز الانقسام ويدمر أي فرصة للحوار العقلاني الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. يحتاج البشر، كما أشار ابن خلدون، إلى «وازع» يكفهم عن التظالم. لكن «الوازع الرقمي» (الخوارزمية) في وادي السيليكون هو وازع «متحيز» و«ربحي». إنه يعزز أسوأ ما في الطبيعة البشرية -الغضب، الخوف، الأنانية- لأن هذه المشاعر هي الأكثر إدراراً للأرباح.
نحن أمام نظام تقني جبار يعيد برمجة العقل البشري ليعود إلى مستويات من الغريزية البدائية، ما يسلب الإنسان أسمى ما وصل إليه في مساره الحضاري: حرية الإرادة والقدرة على النقد الموضوعي. في السياق نفسه، يؤكد ابن خلدون أن فساد العمران يبدأ حين تفقد النخب التزامها بالوازع الأخلاقي وتستسلم للترف.
في واقعنا الحالي، نجد أن «النخبة المعرفية» (المثقفين، العلماء، الحكماء) قد هُمشت لصالح المؤثرين (Influencers). هؤلاء لا يستمدون مكانتهم وقدرتهم على التأثير من قدرات فذة أو مهارات عالية أو تراكم معرفي كبير أو غيرها من المصادر المعروفة والجادة للقوة والتأثير، بل يستمدونها من قدرة خوارزمية على حشد «عصبية الغوغاء». والنتيجة هي سقوط «الرصانة الحضارية» أمام «الضجيج الرقمي»، حيث تُقاس الحقيقة بعدد الإعجابات لا بقوة الحجة، ما يمهد لما سماه خلدون بـ «مرحلة الهرم» التي تسبق الانهيار، حيث تفقد المجتمعات معاييرها الأخلاقية والمنطقية، وتبدأ بالتراجع والنكوص.
في هذه المرحلة، يتحدث ابن خلدون عن الاستعانة بالموالي والمرتزقة لحماية الدولة حين تضعف عصبيتها. في عالمنا اليوم، نرى ظهور «جيوش الذباب الإلكتروني» و«بوتات» التوجيه. هؤلاء هم «مرتزقة السيليكون» الذين يُستأجرون لتزييف العصبية وصناعة رأي عام وهمي. الخطورة هنا تكمن في أن القوة لم تعد نابعة من إيمان حقيقي لمجموعة بشرية، بل من قدرة مالية على شراء «خوارزميات التأثير»، التي تحول الفضاء العام إلى ساحة صراع بين «آلات» تدعي أنها «بشر»، وهو قمة الانحطاط في العمران الإنساني. إذن، فاستمرار هذا الانفصام بين «عبقرية الآلة» و«بدائية السلوك» ينذر بنهاية العمران كما عرفناه.
لقد حذر ابن خلدون منذ قرون مضت من أن الدولة إذا فقدت عصبيتها الجامعة واستبدلتها بعصبيات فئوية ضيقة، فإنها تفتح الباب للفناء. الخطر اليوم يكمن في «جاهلية رقمية» متطورة، حيث تحكمها الأساطير والنعرات، رغم أن البشر يحملون في جيوبهم أجهزة تمتلك معرفة البشرية جمعاء. ما يؤكد من جديد على أن الحضارة ليست تراكم الأدوات، بل هي «ترقية الإنسان». وإذا كان عصر «وادي السيليكون» قد قدم للبشرية أدوات ذات قدرات خارقة، إلا أنه قد فشل في تهذيب الغرائز.
إن التحدي الحقيقي للقرن الحادي والعشرين ليس في تطوير ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بل في استعادة «إنسانية» تمنعنا من استخدام هذا الذكاء لتدمير بعضنا البعض بعصبيات قروسطية. إننا لا نحتاج إلى خوارزميات أسرع، بل إلى «فرامل أخلاقية» أقوى. فإذا ظل البشر يقودون مركبة المستقبل بعقلية «الغزو والغنيمة» التي سادت في القرون الخوالي، عندها لن يكون الاصطدام مجرد احتمال، بل هو نتيجة حتمية للتدافع الخلدوني في صورته الرقمية المتوحشة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


