صراعات الشرق الأوسط.. إدارة لا حل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

المتتبع لمسارات الصراعات في غزة، والحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، والحرب الإسرائيلية على لبنان، يكتشف أنه لا حلول حقيقية أو التوصل لمسار مقبول من قبل الأطراف المعنية، وأن المطروح إدارة للصراعات في إطار تحركات في نفس المكان لأغلب أطراف الصراع.
 فالصراع في غزة تجمّد عند حدود معينة مع بقاء القطاع مقسماً. ولم ينته حكم «حماس» بعد برغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الوسطاء لإعادة التفاوض إلى مسار الخطة الأميركية، ومحاولة إدخال اللجنة التكنوقراطية القطاع للبدء في ممارساتها لعملها بسبب الإجراءات الإسرائيلية، ومسعاها لإفشال الخطوات المخطط لها على الأرض، وفي ظل وجود تلال من مشكلات تتحرك من خلالها الأطراف الوسيطة، وتتعلق بالمشهد الداخلي في غزة ووجود آلاف الموظفين، وعناصر الشرطة، وما تبقي من عناصر لـ«كتائب القسام»، وغيرها من الملفات العالقة التي تؤكد أن هناك توجهاً من إسرائيل بل ومن «حماس» للتحرك وفق مقاربة شراء الوقت والعمل، ما يؤكد أن التوصل لحل وإنهاء الأزمة مستبعد في الوقت الراهن. 
أما المواجهة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، فلا تزال مستمرة، في ظل تدابير الحكومة الإسرائيلية التي تتحرك في مساحات آمنة من العمل العسكري، وتوسيع المنطقة العازلة، ما يعني أن إسرائيل ماضية في الخيار العسكري، وأن التوصل لحالة من الهدنة، أو وقف إطلاق النار سيكون مرتبطاً بخيارات أخرى وضغوطات أميركية مكررة مع بقاء الأوضاع على ما هي عليه، في ظل تكريس سياسة إبقاء الأمور تحت النار سواء كان تفاوضاً، أو مواجهة، ما يعني أن إسرائيل ستستمر في طرح خياراتها، بل والمرور من المشهد الراهن عبر سلسلة إجراءات لن تتعلق بترسيم خط أصفر جديد في الجنوب اللبناني، بل من خلال مزيد من الإجراءات التنفيذية على الأرض، وعبر إجراءات سريعة لتغيير الواقع الديموجرافي، وهو ما سيضع القوات الإسرائيلية في نقاط ارتكاز جديدة، وبما يطرح إعادة انتشار القوات الإسرائيلية على طول مناطق التماس بالفعل، وفي ظل العمل على انتشار الجيش الإسرائيلي وبما يسمح بالسيطرة على الجنوب اللبناني والوصول إلى مكامن الحضور لـ«حزب الله» في أي توقيت، الأمر الذي ينهي، أو على الأقل يقلّل من خطر إطلاق الصواريخ والاستمرار في تهديد سكان الشمال الذين لم يعودوا إلى مناطق إقامتهم، بعد سلسلة تحذيرات إسرائيلية، ما يعني أن إدارة الصراع مستمرة وممتدة، وفي ظل إخفاق الدولة اللبنانية في التعامل واستمرار الضغوطات الأميركية على الرئاسة اللبنانية للتفاوض مع إسرائيل.
أما المواجهة الدبلوماسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، فإنها تمضي في سياق إدارة للصراع وليس حله أو حتى العمل على تفكيك عناصر الأزمة، في ظل ما يجري من خيارات حقيقية ومستمرة، خاصة أن المفاوضات تعثرت مع تحد إيراني، وتصميم أميركي، وما زال الأمر متعلق بالأولويات المطروحة التي يمكن العمل من خلالها في ظل ما يجري من تطورات مهمة خاصة، وأن الجانب الأميركي ما زال يريد حسم الملف النووي، وتحديد مديات الصواريخ ومعرفة حجم التطور الذي تم في سياق البرنامج الفضائي بأكمله.
 أما ملفات التعويضات ورفع العقوبات وإعادة بناء وإعمار ما تقوض إيرانياً، سيظل أولوية للجانب الإيراني في الفترة الراهنة، خاصة أن الوسيط الباكستاني وصل إلى درجة محددة لا يبارحها نظراً لاتباع الطرفين لسلوك محدد لا يمكن الخروج من عناصره بالفعل الأمر الذي سيقيد أي وسيط آخر، ما يعني أن التوصل لحلول أياً كانت يجب أن ترتبط بتوجه محدد، وهو أمر لم يتحقق بعد، ما قد يدفع إلى تبني استراتيجية شراء الوقت وتجميد جزئي ولبعض الوقت للملفات الأكثر أهمية، وفقاً لطرح كل طرف، ما يعني أن الصراع ممتد ومستمر.
يمكن التأكيد إذا على أن مشهد إدارة الصراعات في الشرق الأوسط سيستمر، ولن يتوقف عند درجة محددة، بل هو ماضٍ في اتجاه محدد ومستمر، خاصة أن هناك قواسم مشتركة.
 فالطرف الأميركي قاسم مشترك في إدارة هذه الصراعات، كونه طرفاً محورياً فيها، وإسرائيل طرف فرعي ومؤثر ويتحرك في إطار من المحددات الرئيسة والجوهرية التي يتعامل فيها، ولن يتراجع عن تحقيقها من خلال توظيف العمل العسكري بصورة لافتة بل وتكريس استراتيجية القوة في أي تعامل، وهو ما برز في الحرب على إيران، ثم في الجنوب اللبناني ما قد يعطي صورة دالة على النهج الإسرائيلي في التعامل. 
أما الأطراف الأخرى سواء «حزب الله» أو حركة «حماس»، فهي أطراف متلقية للممارسات الإسرائيلية، ما يؤكد أن الصراع سيستمر، ولن يتغير بل ربما يشهد تحولات رئيسية، في حال تغير المشهد من خلال احتمالات استئناف الصراع، كما هو متوقع في الحالة الإيرانية، وربما عودة القوات الأميركية لتوجيه ضربات على إيران، ولو طال الحصار أو كسر حالة الهدنة المتقطعة في الجنوب اللبناني.

*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد