جريدة الإتحاد - 5/9/2026 11:17:48 PM - GMT (+4 )
ما يزال المراقبون الغربيون يضربون أخماساً بأسداس عن دوافع إغارات إيران المتكررة على دول الخليج العربية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، على المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة. وقد أعاد بعضُهم ذلك إلى إرادة معاقبة الأميركيين الذين لم يبد أنهم تضرروا أو تضررت قواعدهم على الإطلاق! لكنّ الواقع أنّ الخليجيين كانوا دائماً مستهدَفين مِن إيران التي تستهدف أيضاً العرب الآخرين ودولهم في العراق وسوريا والأردن واليمن، إما بوساطة الأذرع العميلة أو بشكلٍ مباشر.
ولأن الدول العربية في الجزيرة والشام، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ما عادت إيرانَ ولا خاصمتها، فمن العبث البحث عن أسباب عقلانية لتعمد إيران الخصومة مع الدول العربية بالمشرق بل والمغرب. وإنما يجدر البحث عن أسبابٍ أخرى، تاريخية ونفسية وجيواستراتيجية، وكلها نابعة من إيران نفسها وليس من الدول العربية المجاورة أو القاصية.
منذ ثورة الخميني عام 1979، سيطرت طبقة الملالي على السلطة في إيران. وهؤلاء تتحكم بهم نفسياتُ التاريخ ومظلومياتُه في الوقت نفسه. والمعروف أن إيران تحيط بها دولٌ سنية. وبسبب تهديدات النظام الجديد للنظام العراقي، فقد شنّ نظام صدّام حسين آنذاك حرباً على إيران استمرت ثماني سنوات إلى أن قبل الخميني وقفَ إطلاق النار (1988). بعد ذلك، وخلال خمسة عشر عاماً من الحصار الأميركي للنظام العراقي ثم غزو العراق من جانب الأميركيين عام 2003 وإسقاط النظام، تمكنت إيران من اختراق البلاد بالاتفاق مع الأميركيين، وخلق تنظيمات طائفية مسلحة ما تزال تسيطر على العراق وموارده بعد تخريب مؤسساته الدولتية.
ومنذ عشرين عاماً يحاول الأميركيون تخليصَ العراق من الأيدي الإيرانية دون جدوى، بينما كانوا هم الذين تسببوا بذلك ربما عامدين متعمدين. وبالأمس سمعنا تصريحاً لمسؤول أميركي قال فيه إنه لا ينبغي أن تظل إيران تستلب مواردَ العراق! عندما كانت إيران تحاول اختراق العراق، كانت تمكّن أقدامها في لبنان من خلال إنشاء تنظيم مذهبي مسلَّح بحجة مقاومة إسرائيل. ومنذ تسعينيات القرن الماضي يسيطر التنظيم على مقدرات البلاد ويتولى، بطلب من إيران، تنفيذ تحرشات بإسرائيل تجيب عليها بحروبٍ مدمرة ما تزال دائرةً حتى الآن، وتكاد تدمر الدولة اللبنانية من أساسها، بعد حروبٍ شعواء متوالية فرضها الحزب الإيراني.
وجاء الحرس الثوري وجاءت الميليشيات المذهبية من إيران وغيرها إلى سوريا، بحجة دعم نظام الأسد. وكانوا دائماً يتحرشون بالأردن، عبر تهريب المخدرات والسلاح. وفي عام 2024 استطاعت حركة سورية مسلحة إخراج إيران وحزبها المسلح من البلاد. وما تزال السلطات الجديدة تكتشف تنظيمات سرية تخريبية تابعة للحزب الإيراني لنشر الاضطراب.
وفي اليمن، وعندما تنامت حركة مذهبية في مطلع القرن الحادي والعشرين ضد السلطات، دعمتها إيرانُ فاستولت على السلطة في شمال اليمن جبلاً وساحلاً، ثم بدأت تستخدمها في إيذاء دول الخليج لعدة سنوات.
دول الخليج العربية هي دول الاستقرار والازدهار، والنموذج للدول الوطنية المتطورة في سائر أنحاء العالَم. ومنذ عقود تحاول إيران اختراقَها كما اخترقت الدولَ الأخرى من طرف التنظيمات السرية والطائفية، لكنها لم تستطع بسبب صلابة المجتمعات والإدارات. ولذلك وعندما اشتدت خلافات إيران مع إسرائيل وأميركا، شنّت على دول الاستقرار الحربَ المباشرةَ بقصد الإضعاف والتخريب. كل مسالك الاختراق والتخريب هذه، والتي تقوم بها إيران في الدول العربية، لا علّة لها غير الحقد وإرادة التخريب والعوامل التاريخية النفسية الفئوية والأحاسيس الإمبراطورية الزائفة، وادعاءات الحق المطلق والإحساسات والانتظارات الغيبية.
في الاختراقات والفتن والمذهبيات تنجح إيران مؤقتاً. أما في المواجهات المباشرة، ومنذ القرن السابع الميلادي وحتى اليوم، فإنها تفشل وتنكفئ، وهو الأمر الذي سيحصل اليوم في العدوان على دول الخليج: متى تَجمعِ القلبَ الذكي وصارماً/// وأنفاً أبياً تَجتنبُك المظالمُ
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


