جريدة الإتحاد - 5/9/2026 11:17:54 PM - GMT (+4 )
في وقت تتسارع فيه تحولات سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد مستقبل الحكومات يقاس فقط بقدرتها على تطوير البنية التحتية أو تحديث الخدمات، بل بمدى جاهزية رأسمالها البشري للتعامل مع عالَم تعيد فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف والمؤسسات وأساليب العمل.
وفي ظل هذا التحول العميق، أصبح تطوير الكفاءات الحكومية ضرورة استراتيجية تتجاوز مفهوم الإصلاح الإداري التقليدي، لتصل إلى إعادة تعريف دور الدولة نفسها بوصفها كياناً أكثر مرونة واستباقية وقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
وفي هذا السياق، يكتسب إطلاق الهيئة الاتحادية للموارد البشرية لبرنامج «إدارة المواهب HR 2.0» أهميةً خاصةً، فالبرنامج لا ينطلق من مفهوم الموارد البشرية باعتبارها وظيفة تشغيلية معنية بالإجراءات واللوائح، بل يتعامل معها كأداة استراتيجية لصناعة القيمة البشرية وتعزيز القدرة التنافسية. ومن هنا، يبدو البرنامج أقرب إلى مشروع لإعادة هندسة التفكير الإداري الحكومي، وليس مجرد مبادرة تدريبية لتطوير المهارات.
ويكتسب هذا التوجه أهميةً إضافيةً بالنظر إلى طبيعة المرحلة الحالية، إذ تتجه الحكومات عالمياً إلى إعادة تقييم نماذج العمل التقليدية في ظل التوسع المتسارع لاستخدامات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات. فهذه التحولات لا تؤثر فقط في آليات تقديم الخدمات، بل تعيد تشكيل طبيعة الوظائف ذاتها، وتفرض متطلبات جديدة تتعلق بالمرونة والقدرة على التعلم المستمر وإدارة التغيير.
ولا يقتصر البرنامج، الذي انطلقت أعمال مساره الأول بمشاركة 25 من قيادات الموارد البشرية من 25 جهة اتحادية، على تقديم محتوى تدريبي تقليدي أو تطوير مهارات جزئية، بل يتبنى مقاربةً شاملةً تهدف إلى إعادة تعريف دور إدارات الموارد البشرية داخل المنظومة الحكومية. ويركز البرنامج على تمكين هذه الكوادر من تصميم استراتيجيات متكاملة ترتبط مباشرةً بالأولويات الوطنية، مع تعزيز دورها كشركاء في صناعة القرار وقيادة التحول المؤسسي، ما يعكس تحولا أعمق في فلسفة الإدارة الحكومية: من التركيز على الامتثال والإجراءات إلى تحقيق النتائج ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.
وضمن هذا الإطار، يبرز مفهوم «الموهبة» باعتباره أحد أكثر المفاهيم التي تشهد إعادة تعريف جذرية داخل القطاع الحكومي، بما يتجاوز المعايير التقليدية المرتبطة بالخبرة الوظيفية أو الأقدمية، لتصبح الموهبة تقاس بقدرة الفرد على التكيف مع بيئات العمل المتغيرة، واستيعاب التقنيات الحديثة، والمساهمة في الابتكار المؤسسي وصناعة الحلول.ويعزز هذا البرنامج الحيوي إعادة تموضع وظيفة الموارد البشرية باعتبارها وظيفةً سياديةً ذات تأثير مباشر يتعلق بقدرة الدولة على تعزيز تنافسيتها واستدامة أدائها المؤسسي. فحين تصبح إدارات الموارد البشرية مسؤولةً عن قيادة التحول المؤسسي وإدارة التغيير وربط الأداء الفردي بالأهداف الوطنية، فإن دورها يتحول من مجرد وظيفة داعمة إلى وظيفة استراتيجية ترتبط بالسياسات العامة وكفاءة المؤسسات.
وفي الإطار ذاته، تظهر القيمة الحقيقية للبرنامج أيضاً في منهجيته التطبيقية التي تقوم على الدمج بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، من خلال محاكاة التحديات الواقعية، والانخراط في تجارب تعلم تفاعلية، والاستفادة من خبرات دولية متقدمة، في محاولة لمعالجة أبرز الإشكاليات التي تواجه برامج تطوير الكفاءات الحكومية عالمياً، والمتمثلة في الفجوة بين التدريب والممارسة. فنجاح أي برنامج تطويري لا يعتمد على حجم المحتوى التدريبي بقدر ارتباطه بقدرته على إحداث تغيير فعلي في بيئة العمل وآليات اتخاذ القرار.
وعبر منظور أوسع، يمكن قراءة برنامج «HR 2.0» كجزء من مسار شامل لإعادة هندسة منظومة العمل الحكومي في دولة الإمارات. فالتكامل بين تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والتخطيط الاستباقي للقوى العاملة يمهد لظهور نموذج «الحكومة التنبؤية» التي لا تكتفي بالاستجابة للمتغيرات، بل تسعى إلى استباقها والاستعداد لها مبكراً وإدارتها بفعالية.
يعكس برنامج «HR 2.0» تطوراً نوعياً في مقاربة إدارة رأس المال البشري الحكومي وانتقالها من مرحلة التحديث الإداري إلى مرحلة بناء نموذج حكومي أكثر مرونة واستعداداً للمستقبل. وإذا ما نجح البرنامج في تحقيق أهدافه الاستراتيجية، فإنه لن يعيد تعريفَ وظيفة الموارد البشرية فحسب، بل سيمتد أثرُه ليسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والدولة ضمن بيئة حكومية أكثر قدرة على المنافسة في عالم سريع التحول.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


