جريدة الإتحاد - 5/10/2026 11:04:12 PM - GMT (+4 )
تطرح الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تصوراً أكثر تشدداً لطبيعة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة، وتعيد تقديم مبدأ «السلام من خلال القوة» بوصفه الإطار الحاكم للسياسة الأمنية الأميركية. وفي جوهرها، فإن الوثيقة لا تنظر إلى الإرهاب باعتباره فعلاً أمنياً معزولاً، بل باعتباره منظومة عابرة للحدود تتداخل فيها الأيديولوجيا، والتمويل، والجريمة المنظمة، وشبكات التجنيد، والدعم السياسي واللوجستي. ومن هنا، فإن الاستراتيجية تبدو محاولة لإعادة تعريف أولويات المواجهة، وتوسيع نطاقها لتشمل الفاعلين التقليديين وغير التقليديين في آن واحد، مع تأكيد أن الأمن الأميركي يبدأ من تجفيف منابع الخطر قبل وصوله إلى الداخل.
وتُحدِّد الوثيقة ثلاثة مصادر رئيسية للتهديد: العصابات العابرة للحدود وتجار المخدرات المصنفون إرهابياً، والتنظيمات الإرهابية التقليدية، والجماعات السياسية العنيفة ذات التوجهات الراديكالية. ويكشف هذا التصنيف عن انتقال واضح من المقاربة التي تركز على تنظيمات بعينها إلى مقاربة أشمل تستهدف البيئة التي تنتج العنف وتمنحه القدرة على الاستمرار. لذلك، فإن الاستراتيجية تربط بين مكافحة الإرهاب ومواجهة شبكات التهريب، والاتجار بالبشر، وتمويل الجماعات المتطرفة، وتوظيف الأدوات القانونية، مثل تصنيف «المنظمات الإرهابية الأجنبية» لمحاصرة هذه الكيانات، سياسيّاً وماليّاً ولوجستيّاً، بما يجعل المواجهة ممتدة من الحدود إلى الفضاء السيبراني، ومن ساحات القتال إلى شبكات المال.
وفيما تواصل الاستراتيجية الأميركية التعامل مع «القاعدة» و«داعش»، ولاسيما فرع خراسان، باعتبارها تهديدات إرهابية مباشرة للمصالح الأميركية، فإن الجزء الأكثر دلالة فيها يتمثل في تشديد النظرة إلى جماعة «الإخوان». فالوثيقة لا تضع الجماعة في الهامش، بل تتعامل معها باعتبارها أحد العناوين الأساسية في فهم جذور التطرف السياسي والديني، انطلاقاً من اقتناع أميركي بأن بعض الحركات الإرهابية لم تنشأ في فراغ، بل استفادت من بيئات فكرية وتنظيمية مهّدت لها الطريق. وبعد القرارات الأميركية بتصنيف عدد من فروع «الإخوان» تنظيماتٍ إرهابية، فإن واشنطن لم تَعُد تنظر إلى الجماعة كفاعل سياسي، بل كمهدد أمني وأيديولوجي ترى أن مواجهته ضرورية لتجفيف منابع التطرف، والحدّ من شبكات التأثير والتمويل والتجنيد. وبذلك، فإن المقاربة الأميركية الجديدة يبدو أنها تتجه إلى التعامل مع «الإخوان» ضمن رؤية أمنية أوسع، لا تكتفي بملاحقة التنظيمات المسلحة، بل تسعى أيضاً إلى محاصرة البنى الفكرية والتنظيمية التي تمنح التطرف القدرة على الاستمرار والانتشار.
أما في الشرق الأوسط، فإن الاستراتيجية تشير إلى أن المنطقة لم تعد تحتل المكانة المركزية السابقة في معادلة أمن الطاقة الأميركي، إلا أنها لا تزال مصدراً لتهديدات عابرة للحدود. لذلك، فإن المقاربة الجديدة تجمع بين تخفيف الأعباء المباشرة على الولايات المتحدة، ونقل جزء من مهام الاحتواء إلى الحلفاء والشركاء، مع الإبقاء على القدرة الأميركية على التدخل الحاسم عند الضرورة. كما تُبرز الوثيقة استمرار الضغط على إيران ووكلائها، وتعزيز الجهود الاستخباراتية والسيبرانية ضد الشبكات التي تستهدف الأميركيين، أو تهدد أمن الملاحة في الممرات الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يعني أن واشنطن لا تغادر المنطقة بقدر ما تعيد صياغة حضورها فيها وفق حسابات التكلفة والردع والانتقائية العملياتية.
في المحصلة، فإن الاستراتيجية الأميركية لعام 2026 تعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة الاستئصال المنظّم لمصادر التهديد، سواء كانت تنظيمية أو مالية أو أيديولوجية. وهي بذلك تؤكد أن مكافحة الإرهاب لم تَعُد معركة عسكرية فقط، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدول على تفكيك البنى المنتجة للعنف، قبل تحوّله إلى عمليات ميدانية.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق التوازن بين الحزم الأمني واحترام القانون، وبين حماية المصالح الأميركية وتجنُّب توسيع دوائر الصراع في مناطق مضطربة أصلاً. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة هذه الاستراتيجية بوصفها مؤشراً على مرحلة جديدة في السياسة الأميركية، تتقدم فيها القوة الوقائية على منطق الانتظار ورد الفعل، وتتداخل فيها أدوات الأمن القومي مع السياسة الخارجية بصورة أكثر وضوحاً وصرامة.
*باحث رئيسي - مدير إدارة دراسات الإسلام السياسي- مجموعة تريندز.
إقرأ المزيد


